
قررت قراءة رواية بيدرو بارامو للكاتب خوان رولفو، الصادرة عام 1955، قبل مشاهدة الفيلم المقتبس عنها، رغبةً في استيعاب النص الأدبي قبل الحكم على معالجته السينمائية. منذ الصفحات الأولى، اتضح لي أن هذه الرواية ليست مجرد عمل أدبي عادي، بل نص تأسيسي أثر بعمق في أدب أمريكا اللاتينية، وامتد تأثيره ليشمل كتّاباً مثل غابرييل غارسيا ماركيز، خورخي لويس بورخيس، خوليو كورتاثار وألفارو موتيس. يكفي الاطلاع على مفردات مثل (الأشباح) ، ( الذكريات) و ( المتاهات) لندرك أننا أمام عمل يستثمر ببراعة في العوالم الغامضة التي طالما ألهمت السينما والأدب.
تصنف الرواية ضمن تيار الواقعية السحرية، لكنها تختلف عن الأعمال التي اشتهرت لاحقاً بهذا الأسلوب، إذ لا تعتمد على السحر كعنصر غرائبي يضاف إلى الواقع، بل تخلق عالماً يصبح فيه الحد الفاصل بين الحياة والموت غير واضح، حيث يتحول الماضي إلى كيان حي لا يمكن الفكاك منه. تحكي القصة عن خوان بريسيادو الابن الذي يسافر إلى بلدة كومالا بحثاً عن والده، بيدرو بارامو، وفاءً لوعد قطعه لوالدته قبل وفاتها. لكنه يكتشف أن البلدة مهجورة إلا من الأشباح، وكل من يلتقي بهم ليسوا سوى أرواح تحكي له حكاياتها العالقة بين الزمنين.
أما الفيلم، الذي أخرجه رودريغو برييتو، فيقدم معالجة بصرية غنية تستلهم روح السرد الأدبي، محولًا أجواء بيدرو بارامو إلى تجربة سينمائية غامرة. يُعد برييتو من أبرز مديري التصوير في هوليوود، وقد أثبت براعته في أفلام تركت بصمة بصرية قوية، مثل ذئب وول ستريت، بابل، وآرغو. رشح مرتين لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل تصوير سينمائي، الأولى عن جبل بروكباك، والثانية عن الصمت للمخرج مارتن سكورسيزي. بأسلوبه المتقن، يوظف برييتو الضوء والظل بذكاء، ما يعزز الطابع الطيفي الذي يهيمن على كومالا، ويمنح الرواية حياة بصرية تتماهى مع بنيتها السردية المتشظية. ينقل برييتو أجواء الرواية بمهارة، معتمداً على تباينات الضوء والظل، مما يعزز الإحساس بالعالم الطيفي الذي يطغى على كومالا. الفيلم تجربة بصرية مذهلة، لكنه يظل في ظلال الرواية، حيث تبقى كلمات رولفو أكثر قدرة على استحضار العالم الغرائبي الذي صنعه.
تمثل رواية بيدرو بارامو انعكاساً صارخاً للبنية الطبقية في المكسيك ما بعد الاستعمار، حيث تجسد شخصية بيدرو بارامو علاقات الإنتاج القمعية التي فرضها الإقطاع على الفلاحين، محولًا الأرض إلى أداة للهيمنة والسيطرة. لا تحكي الرواية مجرد قصة بحث خوان بريسادو عن والده، بل تكشف عن صراع طبقي مستتر يحكم العلاقات الاجتماعية في كومالا، حيث السلطة ليست مجرد هيمنة سياسية، بل نظام اقتصادي متجذر في الاستغلال.
بارامو ليس فرداً بقدر ما هو رمز للطاغية الإقطاعي، الذي يستخدم العنف والاحتيال لترسيخ سلطته، محولًا السكان إلى أدوات إنتاج خاضعة لإرادته. تتحول البلدة تحت حكمه إلى مساحة خاوية، يهيمن عليها الخراب والبؤس، في إشارة إلى استمرارية التفاوت الطبقي حتى مع تغير الأزمنة. هنا تتجلى الفكرة الماركسية بأن التاريخ لا يتقدم إلا عبر الصراع، لكن في كومالا، يظل هذا الصراع مؤجلًا، فتبدو البلدة وكأنها محكومة بحتمية أبدية، لا خلاص منها إلا بانهيار السلطة ذاتها.
يظهر رولفو كيف أن السلطة، مهما بدت مطلقة، تحمل في داخلها بذور فنائها. بارامو، الذي ظن أن الثروة تمنحه الخلود، ينتهي محاصراً بأشباح أولئك الذين سحقهم، إذ لا يحتاج سقوطه إلى ثورة مباشرة، بل يأتي كنتيجة طبيعية لتحلل النظام الذي صنعه. إنه انعكاس لانهيار الإقطاع عندما يفقد قدرته على تجديد علاقات الإنتاج، ما يجعل زوال طبقته أمراً حتمياً.
يتجسد هذا الانهيار أيضاً من خلال تفكك السرد نفسه، حيث تتداخل الأصوات وتتبعثر الأزمنة، مما يعكس انهيار المركزية السلطوية وتفكك الذاكرة الجماعية. كومالا ليست مجرد بلدة مهجورة، بل نموذج لمجتمع عالق بين نظام قديم لم يعد قادراً على الاستمرار، ومستقبل لم يولد بعد، حيث يظل الفقراء والمهمشون معلقين بين الموت والحياة، في انتظار تغيير لم يأتِ. في هذا السياق، تأخذ علاقة خوان بريسادو بوالده بعداً ميتافيزيقياً، حيث لا يصبح بيدرو بارامو مجرد أب مفقود، بل طيفاً يهيمن على الذاكرة الجماعية، رمزاً لسلطة ترفض الرحيل رغم موتها المادي.
رحلة خوان بريسيادو في الصحراء، التي تبدو كمكان مهجور، ليست إلا انعكاساً لفراغ السلطة الأبوية، وغياب القائد الذي لطالما حكم بالموت والخوف. لكنه لا يجد والده، بل أشباحاً وذكريات، وكأن الماضي لا يزال يفرض حضوره على الحاضر، في دورة لا تنتهي من القمع والتكرار. هكذا، لا تمثل بيدرو بارامو مجرد سرد تاريخي، بل تأملًا في صراع الطبقات، حيث يكشف رولفو أن سقوط الطاغية ليس مجرد حدث فردي، بل انعكاس حتمي لتآكل النظام الذي سمح له بالوجود.
يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي مثير، حيث تهبط الكاميرا نحو الأسفل، كاشفة عن حفرة تتشابك فيها الجذور وتزحف الديدان بين التربة، رمزاً للموت، كاشفة عبر السرد البصري والراوي خوان بريسيادو، الذي يبحث عن والده المنفصل عنه لتحقيق رغبة والدته دولوريس. في مشهد يغمره الغموض، يستحضر الفيلم سحر الواقعية التي تبناها الكاتب المكسيكي خوان رولفو، حيث يمتزج الماضي بالحاضر في سرد متشابك يخترق حدود الزمن. بينما يرن صوت الابن، حاملًا وصية أمه وهو يشق طريقه إلى مدينة الأشباح، كومالا. منذ اللحظات الأولى، يسحبنا الفيلم إلى عالمه الغريب، مستحضراً أجواء مئة عام من العزلة لماركيز، حيث يندمج الواقع بالحلم، والماضي بالحاضر، في سرد متشظٍ لكنه غامر. من أكثر الشخصيات التي تترك أثراً الكاهن القاسي، الذي يتهم بيدرو بارامو بأن دمه فاسد، وهي لحظة تلخص البنية الأخلاقية المنهارة التي يعريها الفيلم.
لا يكتفي العمل بسرد قصة فردية، بل يكشف عن جوهر الثقافة والتاريخ المكسيكيين، مسلطاً الضوء على إرث الكوديو، ذلك الزعيم المستبد الذي يجسد السلطة المطلقة، والتكلفة الفادحة التي يدفعها الفقراء والنساء تحت وطأته. في أولى تجاربه الإخراجية، يقدّم رودريغو برييتو معالجة سينمائية آسرة لرواية خوان رولفو. وكما هو متوقع، ينجح الفيلم في أن يكون تحفة بصرية، حيث يتعاون برييتو مع مدير التصوير نيكو أغيلار لخلق عالم غارق في الحلمية والضبابية، تتمازج فيه الواقعية بالسحر. الحبكة تنساب في أجواء مشبعة بالأشباح والذكريات، بينما يتأرجح الحوار بين السخرية والشاعرية، محققاً تناغماً مع الشخصيات النابضة بالحياة.
رغم أن بعض الخيوط السردية تبقى مفتوحة، وقد يبدو الإيقاع بطيئاً في بعض اللحظات، إلا أن الفيلم يظل تجربة سينمائية أخّاذة، تثبّت اسم برييتو كمخرج يمتلك رؤية قوية، مما يجعله جديراً بالمتابعة في مشاريعه القادمة. سعى المخرج إلى تقديم اقتباس سينمائي وفيٍّ لروح بيدرو بارامو، مما يجعل الفيلم مدخلًا مثيراً لمن لم يقرأ الرواية، حيث ينجح في دمج العناصر الخارقة للطبيعة مع العنف والدراما في توليفة متقنة. يتميز السيناريو بقدرته على التنقل بين الطبقات السردية المختلفة بسلاسة، مما يعكس براعة الكُتّاب والمخرجين في التعامل مع حبكة متشابكة ومتعددة الأوجه.
نظراً لتعدد الخطوط الزمنية، يجد المشاهد نفسه دون إشارات واضحة لتحديد الزمن الذي يُعرض في كل لحظة، وهو ما يضفي على الفيلم طابعاً سردياً متداخلًا يجعل الأزمنة تتفاعل مع بعضها البعض بشكل ديناميكي. استطاع الممثل تينوش ويرتا، في دور خوان، تجسيد المشاعر المعقدة ببراعة، بينما كان اختيار مانويل غارسيا-رولفو لشخصية بيدرو موفقاً، وهو ما يتضح أكثر كلما تعمق المشاهد في أحداث الفيلم. في أولى تجاربه الإخراجية، نجح رودريغو برييتو في تقديم معالجة سينمائية تعكس هذا التعقيد ببراعة.
يتأرجح إيقاع الفيلم بين لحظات سريعة قد تجعل المشاهد يغفل عن بعض التفاصيل، وأخرى بطيئة قد تفقده التركيز، وكان بالإمكان تحقيق توازن أكثر ثباتًا. كما أن تعدد الشخصيات التي تظهر وتختفي قد يربك المشاهد أحياناً، إلا أن التركيز على الحبكة الأساسية يجعل التجربة أكثر وضوحاً. الفيلم مليء بالطبقات السردية، ويكشف في كل مشاهدة جديدة عن تفاصيل لم تكن ملحوظة، مما يجعله تجربة بصرية وفكرية غنية تتطلب انتباهاً وتأملًا مستمرين.
رغم سعي المخرج إلى الحفاظ على وفائه للنص الأدبي، إلا أن الفيلم يقع في فخ الإفراط في التنقلات الزمنية والحوار، وهو ما يفقد بعض مشاهده قوتها البصرية. وتبرز هذه المشكلة بشكل خاص في معالجة الشخصيات النسائية، حيث تظهر خمس نساء في الفيلم، جميعهن من الموتى، لكن أدوارهن تظل هامشية، مقتصرة في الغالب على الاستماع السلبي دون تأثير حقيقي في مجرى الأحداث. الاستثناء الوحيد هو دوروتيا، التي تركت فقيرة ومنسية في حياتها، لكنها بعد موتها تجد صوتها، حيث تصبح دليل خوان من العالم الآخر عبر السرد الصوتي، وكأنها لا تستطيع أن تؤثر في الواقع إلا بعد رحيلها.
أما بيدرو بارامو، فهو لا يظهر فقط كطاغية مستبد، بل تتجلى هشاشته العاطفية في هوسه بسوزانا سان خوان، المرأة الوحيدة التي أحبها بجنون. لكن هذا الحب لم يكن نقياً، بل كان امتداداً لرغبته في السيطرة، حيث لم يتردد في قتل زوجها ليجعلها ملكاً له. ومع ذلك، فإن سوزانا، الغارقة في عالمها الداخلي والمنعزلة عن الواقع، لم تبادله هذا الشغف، بل ظلت أسيرة ماضيها وأحلامها، مما جعل حب بيدرو لها صورة أخرى من الفقدان، حيث امتلك جسدها لكنه لم يستطع أبداً امتلاك روحها.
يفترض أن الصورة في السينما تغني عن الكلمات، لكن في فيلم يتجاوز الساعتين، يتحول الحوار إلى عنصر طاغٍ، مما يطيل السرد دون أن يضيف الكثير إلى جوهر القصة. وبينما تتجلى براعة المخرج في تصوير الأجواء الكابوسية التي تهيمن على كومالا، إلا أن افتقار الفيلم لمنح شخصياته النسائية دوراً أكثر فاعلية يعكس نوعاً من التجاهل لديناميكيات القوة التي تتناولها الرواية. في النهاية، يصبح الفيلم تجربة بصرية آسرة لكنها تظل مقيدة بإيقاعها المتباطئ، حيث يتحدث الجميع، لكن قلة فقط تملك القدرة على تغيير مصيرها.