summer film magazine

الرسالة البيئية في فيلم ( تدفق) للرسوم المتحركة : التعاون والاعتماد على الآخر

أسامة عبد الكريم – نيويورك

شهدت قاعات صغيرة في مدينة نيويورك عرض فيلم (تدفق) للمخرج اللاتيفي جينتس زيلبالوديس، وهو عمل سينمائي استثنائي كان يستحق العرض في قاعات أوسع مع إتاحة الفرصة لطلاب المدارس الابتدائية لمشاهدته والتفاعل مع العاملين في مجال السينما والبيئة. يعالج الفيلم موضوعاً حيوياً يتمثل في أهمية التعاون والعمل الجماعي لمواجهة الكوارث البيئية مثل الفيضانات وحرائق الغابات، في رسالة توعوية تلهم الأجيال الشابة للتكاتف من أجل الحفاظ على الطبيعة. يعتمد (تدفق) على الصور والصوت لنقل المشاعر ورواية القصة، خالي من الحوار، ما يجعله بسيطاً وسهل الفهم، وتجربة فنية فريدة تترك أثراً عميقاً في قلوب المشاهدين.

الفيلم كتحفة فنية تجمع بين الجمال والتوتر الدرامي

فيلم تدفق هو مغامرة خيالية للرسوم المتحركة أبطاله من الحيوانات، حيث شارك المخرج جينتس زيلبالوديس في كتابة السيناريو مع ماتيس كازا ليمنح الفيلم مزيجًا من الترفيه والتأمل العميق عبر المؤثرات الصوتية. استفاد زيلبالوديس من تجربته السابقة في فيلمه الأول  “طريق أو درب” (Away)، الذي قام بكتابته وإخراجه وتحريره وإنتاجه، حيث يروي قصة صبي يسعى للبقاء على قيد الحياة في جزيرة نائية بعد سقوط طائرته، فينطلق في رحلة مليئة بالتحديات برفقة طير صغير ودراجة نارية مجهولة المصدر. يبدأ الفيلم بمشهد مثير يظهر فيه صبي، يبلغ حوالي اثني عشر عامًا، معلقًا بمظلته على شجرة جافة. بعد استيقاظه، يجد نفسه وجهاً لوجه مع مخلوق أسطوري ضخم يبتلعه داخل نفق مظلم. رغم نجاحه في تحرير نفسه والهروب، يظل المخلوق يطارده في رحلة غامضة ومليئة بالخطر. خلال الفصل الأول، الواحة المحرّمة، يكتشف الصبي واحة مليئة بالمؤن وخريطة غامضة، ويكوّن صداقة مع طائر أصفر صغير، مما يمهد الطريق لرحلته عبر خمسة فصول أخرى، من بينها بحيرة المرايا والجزيرة المحرمة. بأسلوب بصري فريد، يقدم الفيلم تجربة أقرب إلى ألعاب الفيديو الحديثة بفضل التصوير الأفقي والمناظر الخلابة، مما يضفي أجواءً استثنائية على القصة.

من ناحية الإنتاج، تم تنفيذ الفيلم  ( تدفق) باستخدام برامج مثل Blender وCinema 4D وAfter Effects، وهي أدوات تتيح بناء الشخصيات على شكل طبقات من الألوان وإنتاج مؤثرات بصرية مبهرة بسهولة. حقق فيلم ( تدفق) العديد من الجوائز المرموقة، حيث فاز بثلاث جوائز رئيسية كأفضل فيلم رسوم متحركة من جمعية نقاد السينما في لوس أنجلوس، ومجلس مراجعة الأفلام الوطني، ودائرة نقاد السينما في نيويورك، ليصبح أول فيلم رسوم متحركة يحقق هذا الإنجاز منذ فيلم “الخارقون” عام 2004. وأخيراً، حصد فيلم تدفق جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة في الدورة الثانية والثمانين من حفل جوائز الغولدن غلوب، متفوقاً على أعمال ضخمة من إنتاج ديزني وبيكسار. في كلمته بعد الفوز، قال زيلبالوديس: “هذا الفيلم صنعه فريق صغير جداً من الشباب المفعمين بالشغف في بلد لا يمتلك صناعة سينمائية كبيرة. هذه أول مرة يصل فيها فيلم من لاتفيا إلى هنا، وهذا إنجاز ضخم بالنسبة لنا. الفيلم يمثل قصة شخصية للغاية بالنسبة لي، فقد كنت أعمل بمفردي دائماً وأصنع أفلامي بنفسي، لكن هذه المرة تعاونت مع فريق. وكما هو حال القطة في تدفق، تعلمت كيفية الثقة بالآخرين والتعاون معهم وتجاوز خلافاتنا. أعتقد أن هذا درس مهم يجب أن نتذكره اليوم أكثر من أي وقت مضى. شكراً لاحتضانكم فيلمنا الصغير.”

التكوين البصري وتأثيره في تعزيز السرد

يفتقر الفيلم إلى التفاصيل الدقيقة أو الملمس في المؤثرات البصرية. على سبيل المثال، تظهر القطة السوداء بدون أي تدرجات لونية أو ظلال، كما أن أذنيها تشبهان آذان القطة الفرعونية بطول العنق والأرجل، مما سهل حركتها في استخدام البرامج، وينطبق الأمر ذاته على بقية الحيوانات. يمتد هذا التبسيط ليشمل جميع العناصر في الفيلم، مما يجعل من الصعب أحياناً تمييز التفاصيل، لكنه في الوقت ذاته يضفي طابعاً خاصاً على تصميم الشخصيات. الفيلم ليس من إنتاج ديزني ولا يتبع أسلوب الرسوم المتحركة الياباني، لذا كنت أتوقع شيئاً مختلفاً تماماً، وبالفعل، جاءت النتيجة مختلفة ومميزة.

تدور أحداث الفيلم حول قطة سوداء تعيش مع صاحبها النحات، لكنها تشعر باضطراب غير مألوف أثناء تجوالها، حيث تلاحظ الطيور تحلق في الاتجاه المعاكس والغزلان تهرول في مسار واحد. فجأة، يضرب فيضان عارم المنطقة، مستحضراً –  التقنية الحاسوب ـ مشهداً من فيلم  ( أوه، أخي أين أنت؟) للأخوين كوين، حين تنقذ موجة عالية ثلاثة سجناء من الأسر.

تبدأ القط / ة رحلة البقاء، فتعود إلى منزلها، حيث تظهر لقطات لتماثيلها المتنوعة حول بيت النحات في وسط الغابة. مع ارتفاع منسوب المياه، تبحث عن ملجأ آمن، لكنها تتعرض لمطاردة من أربعة كلاب الصيد ، قبل أن ينضم إليها كلب منشقاً عن مجموعته. رغم انعزالها، تتعلم القطة بناء الثقة مع رفاقها الجدد: الليمور، طائر السكرتير ذو سيقان طويلة، حيوان كابيبارا ( القندس المائي )، والكلب الصيد.

عبر هذه الرحلة، تتجاوز القطة مخاوفها من الماء، وتكتشف أهمية الاعتماد على الآخرين. إنها مغامرة أشبه بسفينة نوح، حيث تبرز الشخصيات قدرتها على التغلب على الاختلافات وتشكيل عائلة غير متوقعة، لكنها مترابطة بعاطفة قوية. تبدأ القصة بقطة وحيدة تسرق سمكة، تطاردها الكلاب الصيد، لكن الفيضان يقلب الموازين، لتجد نفسها في رحلة مع كلب الصيد، يواجهان معاً تحديات البقاء والتآلف.

أثناء تنقل القط من مكان إلى آخر هرباً من الغرق، يعثر على قارب صغير يحمل كابيبارا (القندس المائي)، الذي يرحب به دون تردد، متخلياً عن أي أنانية. سرعان ما يصبح القندس المائي عنصر التوازن العاطفي في المجموعة، إذ يسهم في الحفاظ على الانسجام والتعاون بين الجميع. بعد فترة، يلتقون بليمور، شخصية مهووسة بجمع الأشياء والمتعلقات المادية، حيث يملأ سلّته بالمقتنيات الثمينة ولا يسمح لأحد بلمسها، إذ يغضب بشدة عند الاقتراب منها. لكن مع مرور الوقت وتوطد العلاقة بين أفراد المجموعة، يبدأ الليمور بالتخلي عن ممتلكاته شيئاً فشيئاً، باستثناء مرآته الدائرية التي يظل متمسكاً بها، ما يجعله يكتسب ثقة الآخرين ويصبح جزءاً من العائلة المتآلفة. أما الطائر السكرتير، فيتسم بالشجاعة والإيثار، إذ يدافع عن القط الأسود دون تردد، مستعداً للتضحية لحماية الضعفاء. لكن مجموعته تتخلى عنه، فينضم إلى رفاقه الجدد، ليصبح جزءاً من الفريق، حيث يتولى قيادة دفة القارب، مؤكداً دوره الأساسي في رحلتهم. من جهته، يسعى الكلب الصيد إلى بناء علاقات جديدة، ليس فقط مع القط/ة، بل مع جميع أفراد المجموعة الذين أصبحوا عائلته الحقيقية في المركب. وعندما يجد نفسه أمام خيار صعب بين ماضيه وحاضره، يقرر البقاء مع أصدقائه الجدد، مفضّلًا الروابط التي كوّنها معهم على العودة إلى حياته السابقة.

تطور الشخصيات ونموها

بعد انحسار المياه وعودة الحياة إلى طبيعتها، تتطور القط/ة من كائن منعزل يخشى الماء إلى رفيقة مخلصة مستعدة لمساعدة الآخرين. في المشهد الختامي، تبادر بصيد الأسماك والعناية برفاقها، مما يعكس تحولها العاطفي العميق. في ذروة الأحداث، يقفز القط من القارب لإنقاذ طائر السكرتير أثناء عاصفة، وحين تحاول العودة سباحة، تدرك أنها لم تعد وحيدة، في لحظة تجسد نموها الشخصي. من جانبه، يكتسب الليمور تقديراً من الجميع بفضل المرآة التي يحتفظ بها، مما يعكس تطوره الداخلي وصراعه بين التعلق بالماديات وبناء روابط إنسانية أعمق. أما القندس المائي، فيجد نفسه آخر من تبقى على القارب عندما يستقر فوق شجرة بعد الفيضان. وبينما يهرع رفاقه لإنقاذه، تختار مجموعة كلاب الصيد السابقة مطاردة أرنب بدلاً من ذلك، مما يبرز الفرق بين “الرفقة الحقيقية” و”الجماعة العابرين”. في النهاية، تنجح القطة والليمور والكلب الصيد في إنقاذ القندس المائي، مؤكدين قوة الترابط العاطفي الذي جمعهم في هذه الرحلة.

التكوين البصري في الفيلم

يعتمد التكوين البصري في الفيلم على توظيف الألوان والضوء والظلال لتعزيز الحالة العاطفية للشخصيات. في البداية، تطغى الألوان الباردة والمظلمة لتعكس عزلة القطة السوداء وخوفها، لكن مع تطور علاقاتها، تتحول التدريجات اللونية تدريجياً إلى ألوان أكثر دفئاً، مما يرمز إلى التغيير العاطفي الذي تمر به. تلعب زوايا الكاميرا دوراً محورياً في إبراز المشاعر، حيث تستخدم اللقطات القريبة لإظهار التوتر والقلق، بينما تعكس اللقطات الواسعة إحساس القطة بالوحدة في بداية رحلتها. كما تستخدم الانعكاسات على سطح الماء كرمز للتحولات الداخلية، إذ تبدأ بانعكاس القطة بمفردها ثم تتحول إلى صورة تجمعها مع رفاقها، مما يعكس رحلتها نحو الانتماء والتواصل.

يبقى الفيلم تحفة فنية بكل المقاييس، حيث تبدو كل لقطة كأنها لوحة متقنة تمزج بين رهبة الفيضانات وتعقيد المشاعر الداخلية للشخصيات. من خلال التكوين المدروس للمشاهد واستخدام الألوان بحساسية، يحقق الفيلم توازنًا مذهلًا بين الجمال البصري والتوتر الدرامي. تضفي الحركة الديناميكية والتفاصيل الغنية على كل إطار بُعداً شعرياً يعزز من عمق التجربة العاطفية. الإضاءة الطبيعية بعد انحسار الفيضان تساهم في تعزيز الشعور بالأمل، مما يجعل المشاهدة تجربة بصرية غامرة ومؤثرة في آنٍ واحد.

في المشهد الختامي، تنعكس صور الشخصيات على سطح الماء، في تناقض واضح مع اللقطة الافتتاحية التي أظهرت القطة وحيدة أمام انعكاسها. هذه الرمزية القوية تجسد التحول العاطفي الذي مروا به جميعاً، وتؤكد المعنى العميق للانتماء الحقيقي الذي وجدوه معاً.

انتهى—-