summer film magazine

 

الفن عمل ذهنى:

لا شك أنه مهما كانت الظروف والأحوال التي ينشأ فيها المبدع والإبداع فإن  الفن يعد عمل ذهنى بالأساس، وأن الفيلم تتخلق لغته من العلاقة الخاصة جدا بين عناصر الصورة وعناصر الصوت، وأن أيا كان تعقيد هذه العلاقة التي تنشأ عنها العملية الإبداعية والتي تكون رؤية الفنان، فإننا لا نعرف حقيقة أي من هذه العناصر يمكنها أن تتسيد وتسيطرعلى عاطفة المتلقى وتربطه ربطا وثيقا بالعمل الفني، فقد يبذل المبدع جهدا كبيرا في أحد عناصر الفيلم مثلا كالحبكة الدرامية أو اختيار ممثلين معروفين ، ثم يفاجأ أن الفيلم تسلل ونفذ إلى وجدان المتفرج من باب آخر، إذ لا أحد على وجه اليقين يمكنه أن يتكهن بما سيؤول إليه عمله الفني، فمسارات التلقى بالغة التعقيد، وترتبط ارتباطا وثيقا بحالة المتفرج الآنية والظرف التاريخى الذى يعيشه وما يحوطه من ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية،

هذه العناصر الإبداعية المعقدة في أي فيلم أيا كان نوعه، فضلا عن تقاطعها مع ما يعرف بمخططات التلقى، متفاعلة بشكل مركب ومخيف، وهو ما يجعل دراسة نوع فيلمى معقد كالفيلم الموسيقى ولغته على وجه الخصوص، وعلاقة الصوت بالصورة، ما هى إلا محاولة لفض هذا الاشتباك الذى لا يفتأ ينتهى ليتخلق من جديد مع كل عمل فنى.

هذه العلاقة العضوية والتكاملية بين الصوت والصورة وبناؤها في السينما ، يسمى منهج المتطابقات السمعية والبصرية، وإذا ما تسائل أي منا عن كنه هذا المنهج، فإن الأجابة الأولى التي تتبادر للذهن هي” إيجاد معادلات للعناصر التي نتمثلها بصورة نقية من الموسيقى، وهى إجابة برغم وجاهتها تبدو قياسا بتعقد العلاقة بين عناصر الصورة والصوت ليست ساذجة فحسب، بل طفولية إلى حد بعيد” 20 (محمد كامل القليوبى، التكوين الفيلمى، قراءة معاصرة في كتاب الإحساس الفيلمى لأيزنشتين، محاضرات، المعهد العالى للسينما)

إذ أن عملية التخيل الموسيقى وعالم المرئيات تأتى في الواقع من عقل وذهن المبدع، ومن جوهر الإبداع ذاته، ولا يمكن قياسها خلال العناصر ذات الدلالات الضيقة المحدودة، وإذا تحدث أحدهم عن العلاقات والنسب الأصيلة العميقة بين الموسيقى والصورة، فإن ذلك ممكن وحسب فيما يتعلق بالعلاقات بين الحركات الأساسية للموسيقى والصورة، مثال ذلك العناصر التركيبية والإنشائية، طالما أن العلاقات بين الصور والصور الناشئة عن التخيلات الموسيقية هي في العادة غاية في الفردية في الإدراك،

ودراسة أي مبدع موسيقي تعامل مع الفيلم السينمائى والبناء الدرامى من الصعوبة الشديدة بحيث تتولد الحيرة الدائمة ما بين منتوج المؤلف الموسيقي المجرد وحجم الموهبة الفردية له، ومنتوجه ذي الصلة بالدراما بشكل خاص، والنظريات التي تحكم هذا التداخل كما أشرنا، ولأى مدى لم تكن موسيقى هذا المؤلف الموسيقي أو ذاك مؤلفة خصيصا للدراما سواء كانت موفقة أم لا، أم استخدمت موسيقاه استخداما ترويجيا تجاريا ولا صلة لها بشكل حقيقى وعضوى بالبنية الدرامية والعواطف العميقة، والتي بلاشك الموسيقى أحد مكوناتها الأساسية.

وكما فى سينمانا المصرية مر علينا عدد كبير من الملحنين والمطربين ومؤلفي الموسيقى التصويرية الذين شكلوا علامات خالدة في تاريخ السينما المصرية تماما كأعلام المسرح الموسيقي كما ذكرنا آنفا، وبالطبع كان أغلبهم إن لم يكن جميعهم ملحنين للقصائد والأغانى في الأصل، إلا أن السينما منذ دخول الصوت بها واستغنائها عن العازف المصاحب الذى كان يعزف مقطوعات موسيقية حية تصاحب العرض الصامت، منذ ذلك الحين تبوأت الموسيقى بها مكانة بالغة الأهمية بلا جدال، فماذا إذن عن فن الأوبريت بها؟

يعد أول أوبريت غنائى قدم في السينما المصرية كان (مجنون ليلى) في فيلم يوم سعيد 1940 إخراج محمد كريم، والذى يرجع له الفضل في تدشين الفيلم الغنائى المصرى بذلك الثنائى الرفيع الذى كونه مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، والأوبريت أشعار أمير الشعراء أحمد شوقى، وغناء محمد عبد الوهاب وأسمهان وعباس فارس وأحمد علام، ويتجاوز مدة الأوبريت داخل الفيلم عشر دقائق، والفيلم بالطبع معاصر على مستوى الأزياء والأماكن والأحداث، فيما صمم الأوبريت بمحاكاة للبيئة البدوية القديمة والأشعار باللغة العربية الفصحى، فضلا عن ارتباط مضمون الأوبريت بقصة الفيلم التي تدور حول الشاب البسيط الذى يعطف عليه أصحاب البيت الذى يسكن فيه، لكنهم يرفضون زواجه من ابنتهم لرقة حاله وفقره،

وبعده بعام قدم فريد الأطرش أوبريت ليالى الأندلس  في فيلمه انتصار الشباب 1941 مع شقيقته أسمهان وقد كتب له الأغاني الشاعر أحمد رامى والنص مقتبس في أربعة لوحات بتكنيك المسرح عن الأوبرا الشهيرة حلاق أشبيلية، والفيلم من خراج أحمد بدرخان، وإن كان أوبريت فيلم انتصار الشباب أقل عناية بالحبكة الروائية  عن سابقه (مجنون ليلى) والأغانى عاطفية بشكل فضفاض، تناسب أي نوع من تلك الميلودراميات الرومانسية في الأفلام آنذاك، وتوالى تقديم فريد الأطرش لعدد من الأوبريتات في أفلامه التي كان يدور موضوعها  كعادة أفلام الأربعينيات وحتى خمسينيات القرن الفائت حول قصص صعود المطربين، والتي كان يقوم ببطولتها عادة مغني يبدأ مغمورا ويقف فقره ورقة حاله عائقا ليس أمام صعوده الفني فحسب، بل أمام الفوز بمحبوبته، ثم في النهاية تنتصر موهبته وطيبة قلبه كإنسان وفنان على كل الظروف، وينجح ويلمع ويفوز بحبيبته، كأوبريت فارس الأحلام لفريد الأطرش وصباح  من فيلم لحن حبى إخراج أحمد بدرخان 1953 والذى تجاوز فيه مدة الأوبريت الثلاثة عشر دقيقة

كما قدم محمد فوزى ومنير مراد وعبد العزيز محمود وغيرهم  أوبريتات ناجحة في الأفلام التي قاموا ببطولتها وأغلب حبكاتها تدور حول نفس الموضوع.

وعادة ما يتخلل الفيلم أغنيات للمطرب أو (المطربة) سواء بطريقة الموسيقى ذات المصدر، كأن يمسك المطرب آلته الموسيقية ويبدأ في العزف عليها كمفتتح لوجود الموسيقى، ثم تبدأ باقى الآلات في العزف من الخارج، أو يقف بالفعل المطرب على خشبة المسرح ووراءه فرقة موسيقية توحى بالعزف الحى

أو بالطريقة الثانية وهى الموسيقى خلفية للأحداث، أو في حالة وجود أغنية، يفاجأ الجمهور بالمطرب أو المطربة، يصدحان بالغناء في أي مكان (بيت، حديقة، شارع، ألخ..) لوجود أي مناسبة درامية  أو ذات صلة بحدث ما او غير ذات صلة، تعكس مودا أو حالة عاطفية ما، وهو أسلوب مصطنع دأبت عليه أغلب أفلامنا الغنائية،

ومن الملاحظ أن بعض مخرجي الواقعية  في بعض أفلامهم (الرومانتيكية) التي قام ببطولتها مطربون، جعلوا البطل يصنع بعض الحركات التي تشكل مفتتح منطقيا لدخول موسيقى الأغنية داخل المشهد، كأن يعزف البطل بفمه على الهارمونيكا الصغيرة في الجامعة قبل أن يغني كما في فيلم أيام وليالي، 1955 إخراج هنرى بركات، أو كما فعل حسن الإمام في فيلم الخطايا 1962 حيث يقوم البطل بالدق على خشب المدرج الجامعى في كلية الهندسة عند إعلان النتيجة ونجاحهم، أو أن يصفر البطل قبل أن يغنى كما في فيلم الوسادة الخالية 1957،إخراج صلاح أبو سيف، اتساقا مع واقعية الأحداث في الفيلم مضمونا وأسلوبا، (ملاحظة: أن البطل هنا في الثلاثة نماذج هو عبد الحليم حافظ.) إذ ربما كان له دخل في هذه التفاصيل لما كان يتمتع به من حس فطرى عالي بدرامية أغانيه،

والأوبريت يختلف عن (اللوحات الاستعراضية) التي كانت تقدم في الأفلام حتى لو كانت اللوحات يغنيها أكثر من شخص، وليس بالضرورة أن يكون الجميع مطربين (وهو ما يشترك فيه التابلوة الاستعراضي مع الأوبريت) كالتى اشتهرت بها سعاد حسنى في أفلامها، مثل استعراض خدنا أجازة مع ثلاثى أضواء المسرح من فيلم الزواج على الطريقة الحديثة إخراج صلاح كريم 1968، أو قاضى البلاج لعبد الحليم حافظ من فيلم أبى فوق الشجرة، إخراج حسين كمال 1969، وهو أقرب للأغنية المصورة (الفيديو كليب) الآن، إلا أن الأوبريت بشكل عام يتسم بصورة  أكبر بوحدة الموضوع كأنه عمل مسرحى أو درامي مصغر، كأنه فيلم داخل فيلم ، وينبغى أن يحدث وجوده اسقاطا على حبكة الفيلم الرئيسية ، والمثير للتأمل هو طول مدة هذه الأوبريتات قياسا لزمن الفيلم والذى لم يكن وقتها يتجاوز (120) دقيقة، وهو ما يطرح تساؤلا مهما، لماذا لم ترتقى هذه الأوبريتات لمستوى إنتاج الفيلم الموسيقى بالكامل في سينمانا المصرية؟ لاسيما وأن هذا النوع من الأفلام كان قد ظهر بالفعل في هوليود، منذ فيلم (وجه مرح) عام 1927 وتم إعادته عام 1957 من إخراج ستانلى دونين وهو مأخوذ عن مسرحية موسيقية تحمل نفس الإسم، مرورا بأفلام عدة، كالساحر أوز 1937 ، وصوت الموسيقى 1952، والغناء تحت المطر 1952 وقصة الحى الغربى 1961، إلخ

وقد نقلت بعض هذه الأفلام المأخوذ أغلبها عن مسرحيات أو سير ذاتية للسينما المصرية ولكن بشكل أقل جودة وإتقان نظرا لتفاوت حجم الإنفاق الذى ينفق على هذه الأفلام في هوليود وخارجها مقارنة بسينما فقيرة كالسينما المصرية، وهو أحد المعوقات الأساسية التي تقف أمام إنتاج الأفلام الموسيقية وإن كانت هناك أفلام ضربت هذه القاعدة من أساسها لاحقا منها فيلم راقصة في الظلام 2000 إخراج لارس فون ترير مخرج تيار الدوجما المجرى المعروف، وربما هذا الفيلم وغيره لا يشكل ظاهرة، لكنه يثبت أن الإبداعية تسبق كل شيء، وقد يكون هذا التقلص له علاقة خفية بالثقافة الشعبية لدينا، والتي برغم الدربة التي نشأ عليها المصريون من فنون الفرجة كالأراجوز وخيال الظل وصندوق الدنيا والسير الشعبية على الربابة، وأغانى العمال والفلاحين وأغانى الأفراح والعديد والسير الشعبية والملاحم، رغم كل هذا يشكل المجاز الذى يسم فن كالموسيقى والأفلام الموسيقية بالتحديد عائقا أمام التلقى الشعبى المصري الشرقى، والمتسق طوال الوقت مع كل ما هو حى وليس معروضا على شاشة ذات بعدين؟

إن العلاقة بين المسرح المغنى (الأوبريت) المسرحى أقرب بكثير للسينما من الأوبرات الكلاسيكية لأسباب وخصائص سنذكرها لاحقا، بيد أن العلاقة بين المسرحيات الغنائية والأفلام الغنائية هي التي محل جدل وغموض حتى الآن، وهى مرتبطة بعدة عوامل أهمها استبدال الجمهور الحى بالكاميرا، وهى الجدلية الأشهر التي يتصارع حولها قطبا فن الفرجة الكبيران، (المسرح) وهو الفن الأقدم بتقاليده الحية، و(السينما) بقدراتها الحديثة الخلاقة، (الكاميرا والمونتاج) والتي أعطت حرية الإقتراب والبعد والتركيز بدلا من الحيز الواحد والمحدود للمسرح والخلفيات الثابتة أو حتى المحدودة التغيير، فضلا عن الإمكانيات الصوتية الهائلة التي تطورت في فن السينما، لقد كان صناع الأوبريت القديم في السينما المصرية بل وفى بعض الأفلام الغربية،  يلجأون للإيحاء بوجود الجماهير إما بالصوت (تركيب صوت التصفيق) أو (بلقطة دخيلة)، أو لقطة cut away، لجماهير في مسرح أو دار أوبرا تصفق بحرارة ،إلخ، وإن كان الثابت في الحالتين هو “الاتزام بتقاليد الحكي “في طرز التقديم لكل من الأوبرا والأوبريت، وتتكامل داخل الحس الموسيقى للتمثيلية كل عناصر الحكى، في إطار الواقع (ذي الأسلوب الخاص) للعمل الفني” 21 (ستانلى جيه . سلومون، أنواع الفيلم الأميركى، ترجمة مدحت محفوظ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007، ص 119

 

سينما ثورة يوليو وما بعدها:

لقد ذكرنا أن فيلم لحن حبى إخراج أحمد بدرخان والذى حوى أوبريتا طويلا ومميزا كان بعد قيام ثورة يوليو بعام واحد 1953، وعادة ما يفصل النقاد والشراح فترة سينما الأربعينيات والتي برغم مآسيها أهدتنا بلا شك مكتبة أرشيفية نادرة للأغنيات المصورة ومطربيها، وما كان يمكن للإذاعة المصرية ولا المسرح ولا غيرهما أن يقوما بهذا الحفظ السمعى البصرى النادر، إنها أحد خصائص السينما، إنها الذاكرة البصرية لأى أمة، إنها فن الخلود.

لكن لم يكن قد مضى على ثورة يوليو سوى خمسة وعشرين يوما فقط، وفى 18 أغسطس 1952، صدر أول تصريح عن السينما من القائد العام للثورة (محمد نجيب)، يقول فيها “أنها وسيلة من وسائل التربية والترفيه والتثقيف، ولكن عندما نسىء استعمالها نهوى إلى الحضيض، وندفع جيلا من الشباب إلى الهاوية” 22) ، وفى 11 نوفمبر من نفس العام أصدر القائد العام بيانا نشرته مجلة الكواكب كاملا تحت عنوان (رسالة الفن) جاء فيه” يمكن القول أن الفن عندما كان إلى ما قبل 23 يوليو، وربما حتى الآن، صورة للعهد الذى قامت نهضتنا للقضاء عليه، كانت الميوعة والخلاعة – إلا في القليل النادر – هي سمات المسرح والسينما والغناء، وكان الجميع بكل أسف ينحون بهذه الأسلحة الخطيرة نحو التجارة، التجارة وحدها، والتجارة الرخيصة في أغلب الأحوال، فما من فيلم إلا وأقحمت فيه راقصة، وإذا كان هذا قد حدث في الماضى، فإننا لا نستطيع أن نقبل من الفن ولا المشرفين عليه شيئا من هذا، فإن التأثير في الشعب بالأغنية والمشهد السينمائى والمشهد التمثيلى، لا يزال أقوى من التأثير فيه بأى وسيلة من الوسائل الأخرى، فالتعب صنعة البنائين ……) (22، 23) (محمد كامل القليوبى،  الهوية القومية للسينما المصرية، محاضرات، مرجع سابق، بتصرف)

وكما هو واضح من البيان، وإن كان يتضمن إدراكا واضحا لدور السينما ولإمكانياتها في تثقيف الشعب وتوعيته، إلا أنها لا ترى في محاكمتها للسينما المصرية في فتراتها السابقة سوى الجانب الأخلاقى، ولم يعى من أصدر البيان ظروف السينما وقتها وطبيعة الإنتاج الذى أدت تلك الظروف إليه، وبدا البيان كأنه رأى شخصى، وبالرغم من أنه يستحيل أن يتغير الفن في أي مكان بالدنيا بتعليمات من أعلى وفى غضون شهور، إلا أن السينمائيين سارعوا بدعم الحركة المباركة (ثورة يوليو فيما بعد) وأهدافها بأفلام دعائية كفيلم رد قلبى والله معنا والأيدى الناعمة وغيرهم، مما حدا بالقائد العام بعد ذلك أن يشيد بدور السينمائيين وإدراكهم لواجبهم واستيقاظ المعانى الوطنية في نفوسهم،

وأى ما كان من هذه التعبئة المتخبطة والمهيمنة على الفن بشكل واضح من رجالات ثورة يوليو، والتي تجاوزت بكثير معايير الرقابة المعروفة وبنودها إبان فترة الملكية، إلا أنه لا أحد يمكنه أن ينكر تأثير المشروع الثقافي الذى تبناه ثروت عكاشة أول وزير ثقافة بعد الثورة على السينما المصرية في فترة الخمسينيات والستينيات وتطورها بفعل الفرص التي أتيحت للموهوبين من المخرجين والكتاب والملحنين إلخ.

على إسماعيل وتجربته الفريدة:

ونتوقف قليلا أمام على إسماعيل، إحدى العبقريات الموسيقية في الجيل الثانى من مؤلفى موسيقى الأفلام، والذى تحكى سيرته الذاتية أن والده كان قائد الأوركسترا الملكى، إلا أنه أحد أهم من طوروا ثقافتنا وموسيقانا الشعبية من جوهرها، وقدم في عمره الذى لم يكن مديدا عددا من الألحان ضخما ومتنوعا وفريدا، تنوع ما بين تلحين الأغنيات ووضع موسيقى فيلمية جديرة بالدراسة والفحص، لعل أشهرها بالنسبة لعموم المتفرجين هو لحن أغنيات ورقصات فرقة رضا الشهيرة إبان فترة الستينيات والتي ضمنوها في عدد من الأفلام قليل لكنه كان ولا يزال جزء ثمين من تاريخ أفلامنا الغنائية الاستعراضية.

وقد شكل أندريا رايدر وفؤاد الظاهرى وعلى إسماعيل على وجه التحديد مثلثا ذهبيا في ذلك المضمار وهو وضع موسيقى الأفلام من حيث كثافة التجربة وثرائها، وإن غرد على إسماعيل من بينهم منفردا في عالم فسيح واستثنائى، بهرنا فيه بألحان عذبة وشقية وقافزة منذ أن عاونه محمد حسن الشجاعي المؤلف الموسيقي الكبير والمشرف على لجنة المراقبة و الاستماع للموسيقى والاختيار بالإذاعة المصرية منذ عام 1952 ولعدة سنوات، على أن يكون فرقة موسيقية بالإذاعة المصرية ولحن أغنيات لها طابع مختلف سواء على مستوى التلحين أو التوزيع أو انتقائه لكلمات وموضوعات الأغانى، مشكلا عالما خاصا مختلفا عن زملائه من المجددين وقتها، ففي الوقت الذى تألق فيه كل من محمد فوزى و بليغ حمدى ومنير مراد بموسيقاهم الحديثة والمتجددة والتي أحدثت هزة واضحة في ساحة أساطين الموسيقى  أنذاك، أمثال السنباطى وعبد الوهاب والقصبجى وغيرهم، بزغ على إسماعيل كنجم ساطع لا ينافسه احد بأغنياته الأولى التي لحنها لزميل دراسته في معهد الموسيقى عبد الحليم حافظ، كأغنية يا مغرمين والتي كانت سببا أساسيا في انطلاق عبد الحليم نحو السينما بفيلمه الأول لحن الوفاء 1955، إخراج إبراهيم عمارة.

وللحق فإن ظهور الأخوين على رضا ومحمود رضا وتكوين فرقتهم الراقصة الشهيرة عام 1959 والتي لفتت الأنظار برقصاتها التي استمدت أغنياتها وألحانها وأزيائها وحركاتها من الفلكلور المصرى المتنوع والشديد الغنى والمنبثقة من معرفة وثقافة عميقة بالتراث المصرى، لتلتفت لها الدولة آنذاك وتضمها  لوزارة الثقافة والإرشاد القومى عام 1961  لتطوف  بلاد الدنيا باسم مصرمحققة نجاحا باهرا ومدهشا في كل مكان يحطون به، بعد أن ضموا  لهم بذكاء ووعى أهم المطربين والراقصين والعازفين ومصممى الملابس، وعلى رأس هؤلاء كان وجود على إسماعيل  كملحن أساسي للفرقة ، والذى مثلما كان وجوده مفصليا في نجاح استعراضات وأغانى الفرقة، شكل أيضا هذا الوجود نقلة نوعية على رقعة الشطرنج في مسيرة على إسماعيل نفسه على الإطلاق.

أن أفلام فرقة رضا واستعراضاتها وموسيقى على فهمى في الفيلمين الأهم لهم (إجازة نص السنة عام 1962، وغرام في الكرنك 1967) بالتحديد، كان لهما شكل مختلف، والفيلمان من إخراج على رضا

فلأول مرة يرى المتفرج المصرى استعراضات مصممة في فيلم بهذا الاحتراف وهذه المهارة خارج الثلاث حوائط (المسرح)، حيث صممت الإستعراضات مستثمرة البيئة الخارجية التي يرقصون فيها، الريف بتضاريسه في إجازة نص السنة، كورنيش النيل والحناطير والمعابد الفرعونية في غرام في الكرنك، فضلا عن تصميم القصة نفسه ، والذى بنى على كون فرقة استعراضية كاملة وبهذا العدد والتنوع أبطال للحكاية،

ثم الكلمات التي تضمنتها الإستعراضات والتي نحتت نحتا من ثقافتنا الشعبية بكل ما تحمل من معانى وسخرية وطرافة المفردات، ولقد كانت تلك المحاولات مسؤولية كبيرة كما يشير مدحت فهمى، مشرف فنى بفرقة رضا في بحث منشور له” الفنان الذى يستوحى، أو يستلهم، أو يقتبس، أو ينقل عملا من الإبداع الشعبى كاملا أو عناصر منه، لن يحميه أو يدافع عنه الإبداع الشعبى لمجرد أنه اتجه إليه، بل سيكون الإبداع الشعبى نفسه محكما وقاضيا يحاكمه على ما قدمه، فالجمهور (جمهور الجماعة الشعبية) لا يتسامح أبدا في مسألة الفن، فهو ليس جمهورا عاديا، بل هو يشارك بالتلقى المبدع وهو مسئول عما يؤدى، مسئولية خلق هذا الفن” 24 (مدحت فهمى مصطفى، الفنون الشعبية من السياق الشعبى إلى سياق العرض الجماهيرى (ورقة بحثية)، الندوة العلمية لمهرجان الإسماعيلية الدولى السادس، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ص 279)

لقد وعت موهبة على إسماعيل هذا الأمر جيدا، فطوع ألحانه لهذه المفردات الشعبية التي يصعب تنغيمها بهذه السلاسة والإحكام، وأسهم في تشكيل صراع  درامى بالموسيقى المصاحبة للفيلم أو ألحان  الاستعراضات التي حملت أيضا جانبا ناعما من تمثيل الصراع وبناء الذروات، كمشهد المعركة الأخيرة التي دارت بين الفرقة والعمدة الجشع عم البطلة في فيلم أجازة نص السنة، او مشهد الحلم الذى راود البطل في غرام في الكرنك،

وفي استعراض (عايزين ناكل) واستعراض (حتشبسوت) الشهيرين، صنع مزيجا صعبا من الأصوات التي تغنى مقاطع أشبه بالديالوجات أو الحوارات المغناة كما هو الحال في الفيلم الموسيقى ولكن على شكل تابلوهات داعمة لبعض مناطق الصراع، وليس على مستوى الفيلم بأكمله، ولكنها اقتربت كثيرا من نسيج الدراما، حيث عكست بعض ملامح الشخصيات وبنيتها النفسية والاجتماعية، ودفعت بالأحداث لمنطقة أبعد وإن كانت طبعا متماشية في هامشها المعلوماتى والدرامى مع القصة الخفيفة المسلية في الأصل، ثم يلفت النظر التطويع والمزج السلس الذى قام به على إسماعيل للأصوات، فمحمد العزبى مطرب الفرقة الأساسى صوت شعبى مساحاته واسعة وإمكانياته عريضة، فتصمم الألحان بإسلوب يتناغم فيه صوت العزبى مع عدد من الراقصين ليسوا مطربين على الإطلاق، ليختفى أي نشاذ يمكن أن تلتقطه أذن المتفرج في جمل موسيقية قصيرة واثبة تعكس وعى وطبيعية في التنغيم مغلفة بشقاوة ومرح وطرافة الحوار الدرامى الكوميدى العادى فضلا عن ما زاده اللحن من تشويق،

وفى استعراض بناء المسرح في نفس الفيلم (غرام في الكرنك) يستخدم توزيعا مدهشا للحن يراعى أصوات ألواح الأخشاب والطرق والدق على المسامير ومنشار وفأرة الخشب وإيقاع أقدام الراقصين وحركتها في صخر المعبد الفرعونى ورماله، وهو استعراض بلا أغنية، اعتمد في دراميته على حركات الراقصين وموسيقاه التي امتزجت فيها الوتريات بآلات النفخ مع آلات الإيقاعن مولدة حيوية تشبه موسيقى البلوز مع مسحة مارشالية تعكس انضباط العمل واعتمادية الفرقة على أنفسهم، فهم النجارون والنقاشون وعمال الفراشة والراقصون في آن واحد،  لكن يتخلل الرقص والموسيقى  جمل حوار وقفشات قصيرة، والتي تضمنها التابلوه بين عبد المنعم ابراهيم وأمين الهنيدى ومحمود رضا مع استثمار ضحكة عبد المنعم إبراهيم المميزة لينتهى موسيقى التابلوه بإيقاع أسرع للموسيقى مع إيقاع أرجل الراقصين والراقصات وهم يختبرون متانة المسرح الذى صنعوه وسط المعبد، ثم فجأة تقف الموسيقى والحركة بصفارة المدرب كأنها انتهاء لمباراة، مما شكل شريط صوت  بالغ الطرافة والبهجة والإتقان، مع مونتاج عالى الحرفية والسلاسة،

وقد راعى على إسماعيل أن تكون الموسيقى الفيلمية  تنويعات من أغنيات الفيلم لخلق حميمية واتصال وجدانى لدى المتلقى بالاستعراضات ودرامية وجودها،

أما التابلوهات التي عرضت بالفيلم في حضرة جمهور، فق اتخذت شكلا مسرحيا خالصا باستخدام التقطيع والمزج الخلاق لخلق حالة سينمائية ومسرحية حقيقية وباهرة مع انتقال سلس من لوحة استعراضية لأخرى ليس على مستوى المونتاج فحسب وإنما على مستوى البناء الموسيقى المنفصل المتصل الخلاق الذى يعيه على إسماعيل جيدا

قواعد الموسيقى الفيلمية الحديثة:

ولعل من الممكن أن يطرأ سؤال على ذهن القارىء، هل صمم على إسماعيل وغيره في تلك الفترة الحديثة موسيقاهم الفيلمية كما يمليه المنهج وتحتمه النظرية وتفرضه النظريات المستحدثة للغة الفيلم، أم هو اقتراب حذر من نوع الفيلم الموسيقي التكاملى؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تفسر بالطبع منتوج على إسماعيل وحده وإنما تنسحب على عموم إنتاجنا السينمائى، فالقاعدة تقول أن الموسيقى الفيلمية تصمم كجزء من شريط الصوت الذى يشمل أربعة عناصر وهم: الحوار والمؤثرات والموسيقى ومساحات الصمت، وهناك أفلام حديثة شكلت تحديا وخلت من الموسيقى تماما، واعتمد مخرجوها على التنغيم الداخلى لتدفق الدراما وتكويناته البصرية والمؤثرات والكتل والفراغات وحركة الكاميرا والإقتراب والبعد والتركيز( أحجام اللقطات) والميزانسين الحركى للممثلين، في خلق الهارمونى الداخلى للفيلم وبالتبعية بناء الإيقاع الخاص بالفيلم باستخدام  المونتاج بالطبع، والذى هو وحركة الكاميرا عنصرى التفرد لفن السينما عن باقى الفنون الحكائية والبصرية الأخرى، وأشهر هذه الأفلام التي استغنت عن الموسيقى هو الفيلم الفرنسي البديع (سحر البرجوازية الخفي) للمخرج لوي بونويل 1972، إلا ان بعد مرحلة طويلة من التنظير لعلاقة الفيلم بالموسيقى، ومهما كان المخرج مختلفا وطليعيا أو حتى تجاريا كما هي في التجارب السابقة التي تعرضنا لها، فإن وجود الموسيقى بالفيلم قد تطور بشكل حتمى وظل متأوطرا بنظريات وقوانين، أهمها أن الموسيقى الفيلمية يجب أن تصمم بشكل يقوى الصراع وتشكل جزءا أساسيا منه، فإحدى القواعد تقول: لو أن البطل صرح بحبه للبطلة يجب أن يكون لسان حال البطلة ( أنت لا تهمنى على الإطلاق) وليس دورها هنا داعما او مزينا للمشهد كما كان سائدا، القاعدة الثانية: هي ان الموسيقى الفيلمية يجب ألا تسمع بمعزل عن المشهد أو المشاهد التي صممت من أجلها بشكل مشبع ومكتمل، وأى موسيقى تصمم بشكل مغاير في السينما هي مصممة للدعاية أو الترويج للفيلم مهما كان نجاحها أو أهميتها، والسينما العالمية نضجت وصارت حافلة بموسيقى الأفلام المنضبطة وفق النظريات والأسس العلمية، بيد أن السينما المصرية لا يوجد عمل بها صممت له الموسيقى بهذا المستوى الحرفى الدقيق سوى فيلم واحد وهو فيلم المومياء للمخرج شادى عبد السلام 1969 للمؤلف الموسيقى الإيطالى ماريو ناشمبينى، والذى يعد حالة فنية قائمة بذاتها في تاريخ السينما المصرية، ثم يليه في الإتقان فيلم الطوق والإسورة، إخراج خيري بشارة، 1986 وألف له الموسيقى انتصار عبد الفتاح.

لكننا بلا شك يمكننا استكشاف أن على إسماعيل بالتحديد  كان يعى النظرية جيدا وانه حاول الإقتراب بدقة وصنعة ووعى من هذا المستوى الإحترافى العلمى، بيد أن طبيعة السينما المصرية تنأى عن تنفيذ هذه القواعد بدقة لأسباب كثيرة ومتشابكة فرضت عليها أسلوبا تجاريا كما أشرنا من قبل يضيق بهذه النظريات مهما كانت وجاهتها، إلا أن أعمال ومؤلفات على إسماعيل للسينما تشى بأنه استثمر هامش النظرية المسموح في الأفلام بكل الذكاء والوعى والإبداعية الكاملين، محافظا في ذات الوقت على الحدود التي تؤطر الأفلام التي عمل بها من حيث النوع والهدف والمرجو منها والجمهور المستهدف والرسالة التي يطرحها الفيلم.

وقد طور إسماعيل تجربته الموسيقية مع فرقة رضا  في فيلم مولد يا دنيا 1976 إخراج حسين كمال والذى يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ما ذكرناه عن وعى على إسماعيل الشديد بما يفعل وقدرته على الوثب الناعم تجاه مناطق أبعد وأكثر إيغالا في في نظرية النوع وفلسفتها، والذى عد الفيلم الوحيد الذى اجتمعت به عناصر عدة تؤهله لتأسيس النوع الفيلمى الموسيقى بخصائصه النظرية والتقنية الغربية ولكن بمذاق مصري، وبدأ إسماعيل في كتابة مقدمة الفيلم والتي صممت على نزول التترات، وكانت دالة جدا ومنطقية بالنسبة لموضوع الفيلم، حيث بدأ المقدمة ببطل الفيلم (محمود ياسين) يتجول في أحد الموالد، وتستعرض الكاميرا طقوس المولد الشعبى حوله من لاعبى التنورة ولاعبى النار والأرجوحات الخشبية، يصاحبها كلمات الذكر التي كتبها مرسى جميل عزيز، وصورت في مولد شعبى حقيقى كأنه تحية خفية لأوبريت الليلة الكبيرة والذى كتبه صلاح جاهين، ولحنه سيد مكاوى، إلا أن على اسماعيل بث فيه من روحه فحوله للحم ودم، فصمم موسيقى هذه المقدمة مغترفا من موتيفاتنا الشعبية الفلكلورية الصوفية لتصبح هذه الافتتاحية بساطا ممدودا لعالم الفيلم الخاص والذى برغم ان قصته تعتبر تقليدية إلا أن بناءها العذب والأصوات والألحان التي حفل بها الفيلم ولحنها عدد من المطربين كبيلغ حمدى، وكمال الطويل، ومحمد الموجى، وأعطته فرادة وجدة في كل شيء.

توفى على إسماعيل  ولم يكمل الفيلم ولم يلحن سوى التتر، والذى أتصور ويتصور الكثيرون من النقاد أن وجوده كان سيحمل الفيلم على أجنحة أخرى أرحب وأعمق مما خرج عليه من بعض الميلودرامية وتقليدية البناء الدرامى  التي شابت بعض أجزائه،

ولعل غياب على إسماعيل أيضا سلب فرقة رضا روحها الحقيقية برغم كل محاولاتها البقاء، وربما كان هذا الغياب سببا من الأسباب التي أوقف مد وجودها في السينما.

إن الرقص كما هو معروف محاولة لتجسيد الموسيقى في الفراغ، وقد كانت فرقة رضا نموذجا لم تشهده مصر في هذا المجال من التقنية والجدية والرفعة في الأداء، التقت بشكل قدرى بموسيقي فذ أطلق عليه بعض النقاد بيتهوفن مصر فتحقق كمالا إبداعيا يشكل إحدى طفرات الفن في مسيرات الأمم.

وبعد:

الخاتمة:

إن المجيدين مثل على إسماعيل ومن سبقوه أو عاصروه، كسيد درويش ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وبليغ حمدي ومحمد فوزى إلخ ومن جاءوا بعدهم ، في موسيقاهم وأغنياتهم ومنتوجهم الإبداعى الغزير والمتنوع على مدى وجودهم الفني، جميعهم بإبداعهم ومحاولتهم خلقوا فنا له طابع الأصالة والديمومة، وحاولوا الإجابة عن ذلك السؤال الجدلى والمربك والدائم الطرح،

هل كان ينبغي على الإبداع والفن في أي بلد ولا سيما مصر أن يخسر جذوره وأصوله حتى ولو بشكل مؤقت من أجل التحديث؟ وهل ينبغي علينا استيراد ثقافات أجنبية لكى نطاول العالم، حتى لو أنتجنا فنا غريبا عنا وعن هويتنا؟

أم ينبغي وهذا هو الأهم أن نبث مفاهيم متقدمة من خلال أشكال التعبير الشعبى في الموسيقى والسينما والمسرح والرقص .. وأن نسعى إلى تطوير عناصر تلك الأشكال الشعبية من داخلها نفسها، تقنيا وفنيا وجماليا، فهل يعقل أن آلات العزف الشعبية لدينا مازالت أغلبها على بداوة التصنيع منذ أيامها الأولى، كآلات النفخ مثلا؟  وجل ما نفعله هو استيراد آلات مشابهة أو نلجأ للموسيقى الإليكترونية التي مهما بلغت مهارتها نشعر بجفافها ومحدودية عواطفها، في الوقت الذى تطور الشعوب موتيفاتها وأدواتها لحد الاكتفاء بها، إننا يمكننا أن نتعامل مع التحديث، لكن دون أن نتخلى عن هذه العلاقة التي نشأت بينها وبين المتلقين عبر عشرات بل مئات السنين، وجعلها وحدة واحدة تتطور بحمولة الثقافة القومية بأكملها،

إن في فهم كون التحديث لا يعنى استيراد أفكار اجنبية من العالم، ولا يعنى الإنسلاخ عن ثقافتنا وهمومنا وأفراحنا وأتراحنا هو سر عبقرية أي فن أصيل، وسر بقائه.

ولقد كان على كافة الفنون القديمة أن تعيد تعريف نفسها في ضوء هذا الفن الجديد (السينما) والذى استفاد بدوره من الفنون التي سبقته، المسرح، الموسيقى، الرقص، الفن التشكيلى، الرواية، إلخ، “لقد كان التحدى القوى الذى طرحته السينما على الفنون التصويرية وفنون الحكى وغيرهما، هو وظيفة قدرات السينما على المحاكاة، لكنها أيضا كانت العامل الذى اختلفت فيه السينما جذريا عن التصوير التشكيلى، أنها تتحرك، وعن الرواية أنها أكثر ثراءا عبر الصورة وخصائصها، وعن المسرح في إحداث التأثيرات بحركة الكاميرا وعمليات المونتاج التي يعجز عنها المسرح، وعن الموسيقى أنه يتم تسجيل الصورة بشكل متقطع، إذ ليس لمفهوم بقاء الرؤية معادل سمعى، لذلك فليس لدينا أصوات ثابتة يمكن مقارنتها مع الصورة الثابتة، إن الصوت يوجد في الزمن” 25 (جيمس موناكو، مرجع سابق، ص 50، 62، 117) بتصرف

إن السينما بالفعل ثرية جدا، وتتمتع بأكبر عدد من المتلقين بين كافة الفنون (الجماهيرية الواسعة) وكلما زاد عدد الناس الذين يتلقون أي فن يكون له تأثير أكبر، وجمهور السينما بالتحديد مثلما دربوا أنفسهم على الفرجة على الأفلام كما عبر بيلا بالاش بقوله: لقد تعلمنا أن نرى الأفلام، كذلك دربوا أنفسهم على تمييز الموضوع وقيمته مهما كان القالب أو النوع الذى صب فيه، ويتمكنون أيضا من فهم الرسائل المخفية في أي عمل مهما بلغت بساطته أو غموضه، وعلى استيعاب التكنولوجيا التي تتطور بها السينما سريعا ولو بشكل ضمنى مستفيدين من التطور الذى يحاوطهم من كل جانب، وهو ما يحملنا دوما على احترام المتلقى، وتقدير ذائقته، وبالأحرى احترام ثقافته، والذى يميز السينما قدرتها كفن جماهيرى على استيعاب تنوعها وثراءها.

إن الفنون بأكملها في حالة تنافس دائم من أجل استقطاب المتفرج، ففي النصف الثانى مثلا من القرن العشرين، ازدهرت مسارح برودواى الموسيقية على حساب الفيلم الموسيقى، ولكن سرعان ما يأتي مبدعون للمهنة ويطورون أعماقها، مثلما برز سكورسيزى بفيلمه نيويورك نيويورك عام 1977 وزميله ستيفن سوندهايم، ومثلما فعل على رضا وفرقته العالمية، وجيل الثمانينيات الزاهى (جماعة السينما الجديدة)

إلا أن الفنان الأصيل هو الذى لا يتناول إلا ما يعرفه عن الناس وما ورثه عن جماعته، وما يعبر عن جماعته وما يعبر عن احتياجات الناس، فهو لا يعكس أحاسيس البشر فحسب، وإنما يعكس أحاسيس البشر الذين يعرفهم ويعرفونه، والفنان الحقيقى هو الممتلىء بواقعه وتجاربه، ويطمح لتغيير العالم الذى يعيش فيه بأكثر أشكال الفن ثورية وبمعالجات أصيلة، والفنان صورة صادقة لمجتمعه، فالمجتمع المنهار ينعكس انهياره واضمحلاله على الفن مادام صادقا، وهناك فرق كبير بين انعكاس الاضمحلال على الفن، وانعكاسه في الفن.

إن إهمالنا لنوع فنى خلاق كالفيلم الموسيقى يرجع لعدة أسباب يمكن استنباطها:

-أولها الميزانيات الضخمة التي يحتاجها هذا النوع، تصميم القصة، وضع الألحان والأغانى وتسجيلها، تدريب الممثلين والمغنيين والراقصين، الديكورات الملابس، الجرافيك إلخ، وهو مايعوزنا كإحدى السينمات الفقيرة، بالرغم من كوننا من أقدم سينمات العالم.

– ثانيها، أن أي فن جماهيرى يتحتم عليه التوجه لطبقات اجتماعية واسعة مصحوبة بتقاليدها وعاداتها وثقافاتها مثلما يشير أرنست فيشر” إن الحاجة إلى التعبير بالفن ووسائل هذا التعبير، تحدها الطبقات والتقاليد، إن التاريخ الإجتماعى للفن يؤكد أن الأشكال الفنية، ليست مجرد أشكال نابعة من الوعى الفردى، يحددها السمع أو البصر، وإنما هي أيضا تعبير عن نظرة إلى العالم يحددها المجتمع” 26 (أرنست فيشر، مرجع سابق، ص 202)

والشاهد هنا أن إهمال الفيلم الموسيقى يرجع إلى تركيبة المجتمع المصرى الذى يتسم بخصائص متناقضة لظروفه السياسية التي مر بها عبر عصور طويلة، انطوت أغلبها على معاناة مستمرة، سطوة الكهنة الفراعنة، غزو مستمر طمعا في خيرات بلد يعيش على ضفتى وادى خصيب، غياب العناية بالتعليم الجيد لعموم الشعب، وعادة فى أوقات الأزمات التي تمر بها الشعوب، يزداد التناقض في كل شيء، بين ماضيها وحاضرها، ما يضنيها وما يفرحها، قسوتها ورحمتها تجاه البشر والطبيعة، وكلما زادت الأزمات كلما اتخذ التناقض شكلا حادا،

-الأمر الثالث هو تشبع المجتمع المصرى في فترات متواترة بالأفكار الدينية الموروثة المتشددة والتي أغلب الوقت تحرم الموسيقى والغناء والفنون بشكل عام، وهو ما يشكل للمبدعين معضلة ومخاطرة إذا ما قرر المجتمع في إحدى فترات تقلبه أن يتخذ موقفا  موقفا محافظا أو متشددا إزاء الفن، وهو ما قد يشكل خسارة كبيرة، وبشكل عام كلما قلت الرفاهة والسعادة والإطمئنان والعدالة لدى شعب، كلما زادت محافظته وتشدده الديني وانغلاقه، ربما يكون نوعا من التعويض النفسي، إذ تصبح الآخرة بوعودها الغيبية السخية أمل ورجاء، فيما تشكل الحياة الدنيا القاسية الشحيحة مجرد محطة عبور لا تعنى شيئا،

-رابعا، قضية الواقعية في المجتمعات المأزومة التي تعانى في أغلب تفاصيل حياتها اليومية، تشكل معضلة كبيرة، إذ يظن بعض صناع السينما أن نقل الواقع بحذافيره سيرضى الناس ويحملهم على الإنبهار إزاء وهم محاكاة الواقع والطبيعة، ومن ثم يبتعدون عن القوالب والأنواع الفنية التي تحمل قدرا من التجريد والرمزية، ويعاد فيه بناء الواقع بكل جماليات المجاز والبلاغة الفنية  كالفيلم الموسيقى، والذى تسبق وتهيمن فيه الألحان والإيقاعات على الدراما المحكية، لتحكى الحكاية في الفيلم الموسيقي عبر وسيط مختلف يتعاظم فيه مضمون الموسيقى على الحكايات المروية بشكل تقليدي على لسان الأبطال، وكما عبر هيجل في كتابه فلسفة الفن” لا شك أن للموسيقى مضمونا، إلا أنه ليس كذلك المضمون الذى نعنيه عندما نتحدث عن الشعر أو الرواية أو حتى الفن التشكيلى، إن ما ينقصها لدى الناس هو هذا التجسيد لموضوع خارج عنها، سواء عنينا بذلك الظواهر الخارجية الملموسة، أو موضوعية الأفكار والصور الذهنية” 27 (فيشر، مرجع سابق ص 243)

والفيلم الموسيقى سيتحتم عليه أن يأخذ من الروح الموارة للموسيقى والشعر واللذين أظن أنهما الأقرب لروح السينما وبنيتها بشكل عام، اكثر من الرواية والمسرح، وسيبتعد بالمبدع بحتمية نوعه وبنائه عن الوهم الزائف للمحاكاة الكاملة، ذلك الوهم الذى غالبا ما ينتج فنا خاملا بلا نصوص موازية ومستويات مخملية في الأثر الجمالى والتأويلي، والذى لن يكون في تأثيره على الناس أبعد من مغزى تلك الحكاية المشهورة، والتي تروى قصة قرد كان يعيش مع عالم أحياء، وفوجىء العالم بأن القرد التهم صور الحشرات المرسومة بدقة متناهية في مراجعه الثمينة لفرط طبيعيتها وواقعيتها، لكنها في النهاية لا تعدو كونها صور جميلة منقولة بدقة من الواقع، لا تسمن ولا تغنى من جوع

 

المراجع:

10-محمد كامل القليوبى، التكوين الفيلمى، محاضرات، المعهد العالى للسينما

11-محمد كامل القليوبى، الهوية القومية للسينما العربية، محاضرات، المعهد العالى للسينما

12-مدحت فهمى مصطفى، الفنون الشعبية من السياق الشعبى إلى سياق العرض الجماهيرى، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مهرجان الإسماعلية الدولى السادس

13-هوجو لايختنتريت، الموسيقى والحضارة، ترجمة د. أحمد حمدى محمود، مراجعة د. حسين فوزى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998