summer film magazine

ــــــــــــــ

 

فيلم ( ميكي 17) للمخرج الكوري بونغ جون-هو:

 اغتراب الإنسان في آلة الإنتاج الرأسمالية

عماد الخزاعي

في ميكي 17، لا يكتفي المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون ـ هو برسم عالم مستقبلي خاضع لاستغلال الشركات الكبرى، بل يتجاوز ذلك ليكشف عن بنية أيديولوجية تُعيد إنتاج الاستغلال وتُخضع المستغَلين لمنظومة تقنعهم بأن مصيرهم المحتوم هو التضحية المستمرة. يتحول بطل الفيلم إلى تجسيد حرفي للبروليتاري الذي لا يملك حتى جسده، حيث يُستهلك ثم يُعاد إنتاجه وفق متطلبات السوق، دون أي إمكانية للخروج من الحلقة المفرغة التي تحكم حياته ومماته. وبينما يتكرر استنساخه، تتضاءل فرديته، ويتلاشى إحساسه بالذات، ليصبح مجرد وظيفة يتم ملؤها ببدائل لا نهائية، في استعارة مرعبة عن واقع العمالة الحديثة التي تستبدل الأيدي العاملة دون اكتراث، وفقًا لمنطق الكفاءة والربح.
لكن رغم هذا التصور القاتم، لا يغفل الفيلم الإشارة إلى إمكانية التمرد، حتى لو بدا صعباً أو غير مرئي في البداية. ظهور ميكي 18، بشخصيته الحادة ووعيه المتزايد، يمثل شرخاً في النظام، إذ يكشف أن الاستغلال ليس قدراً محتوماً، بل بناءً يمكن هدمه أو إعادة تشكيله. غير أن الفيلم لا يمنح إجابات مباشرة، بل يترك الباب مفتوحاً للتساؤل حول جدوى المقاومة في عالم يبرمج ضحاياه على قبول مصيرهم. وبينما يستعرض بونغ آلة الرأسمالية الجهنمية، فإنه يلمّح في الوقت ذاته إلى أن إدراك الاستغلال هو الخطوة الأولى في كسره، حتى لو بدا الطريق إلى التحرر طويلاً وشاقاً.

استعمار الفضاء واستنساخ الاستغلال البشري

يعيش ميكي ( الممثل  روبيرت باتينسون) على متن سفينة فضائية، حيث يعمل بصفة “قابل للاستبدال”. مالكو السفينة الأثرياء يسعون إلى استعمار الكوكب القاحل الذي حطوا عليه، موطناً للبرد والصقيع والمياه الجليدية، لذا يخضع ميكي لاختبارات علمية لاستكشاف كيفية جعله صالحاً للحياة. وكلما مات ميكي أثناء أداء عمله، وهو ما يحدث كثيراً، يعيد الفريق طباعة نسخة جديدة منه عبر طابعة بحجم إنسان، ثم يعيدونه مباشرةً إلى وظيفته.
يُعيد ميكي 17 صياغة العلاقة بين المستغِل والمُستغل في إطار خيال علمي كابوسي، حيث تبلغ الرأسمالية ذروتها في استهلاك الجسد البشري ذاته، لا بوصفه قوة عمل فحسب، بل كمنتج يعاد تدويره بلا نهاية. هنا، لا يُستنزف العامل عبر ساعات العمل الطويلة أو الأجور المتدنية، بل يتم قتله وإعادة إنتاجه ميكانيكيًا، مما يحوّل الاستغلال إلى عملية حرفية بحتة، خالية حتى من وهم الضرورة الأخلاقية أو الإنسانية التي طالما اختبأت وراءها الأنظمة الرأسمالية.
يقدّم المخرج الكوري الجنوبي رؤية سوداوية لعالمنا الرأسمالي، مع لمسات كوميدية قاتمة ونقد سياسي لاذع. لكن رغم حضور روبرت باتينسون وأفكار الفيلم اليسارية الواضحة، إلا أن الكوميديا تبدو متكلفة والإيقاع بطيئًا إلى حد الإرهاق. يمثل ميكي، في استنساخه اللانهائي، صورة مكثفة للاغتراب العمالي كما صاغها فيلسوف ماركس: الإنسان المغترب لا يملك حتى ذاته، فهو ليس أكثر من امتداد لآلة إنتاج لا تعترف بفردانيته أو بقيمته خارج وظيفته. إنه منتَج يُستهلك ويُعاد تصنيعه، نسخة متطابقة تتكرر بلا هوية، تماماً كما يُعامل العمال في الاقتصاد الرأسمالي بوصفهم وحدات وظيفية قابلة للإبدال.

يتميز السيناريو بتوازن بين الفكاهة السوداء والنقد الاجتماعي، مع استكشاف موضوعات مثل الرأسمالية والتجريد من الإنسانية. يواصل بونغ جون-هو استكشافه للعدالة الاجتماعية من خلال عدسة الخيال العلمي، مستخدمًا أسلوباً بصرياً يجمع بين الجمالية والعبثية.لكن بونغ لم يكتفِ بالاقتباس من رواية Mickey 7 لإدوارد آشتون (2022)، بل أضاف شخصية جديدة: بعد سقوطه السياسي على الأرض، يعود مارشال إلى الواجهة كديكتاتور على كوكب  مدعوماً بأتباع مخلصين يرتدون قبعات حمراء، وبتحالفات مع الأثرياء والمتطرفين الدينيين التصوير السينمائي يعكس التباين بين بيئات الكوكب القاسية والتكنولوجيا المتقدمة، مما يعزز تجربة المشاهدة.
يشكل فيلم “ميكي 17” نموذجًا للبروليتاري المغترب، الذي يُجرَّد من إنسانيته إلى الحد الذي يتقبل فيه موته كجزء من وظيفته. هذه الفكرة تجد صداها في الاستلاب العمالي عن منتوج العمل، حيث لا يصبح الفرد سوى ترس في آلة الإنتاج، مستبدلًا في أي لحظة إذا لم يعد مفيدًا أو مربحاً. حتى ميكي ذاته، رغم إدراكه لتكرار موته، يواجه صعوبة في تصور تمرد حقيقي على النظام الذي يستعبده، في صورة تعكس عجز الطبقات الكادحة، في ظل هيمنة الأيديولوجيا السائدة، عن تصور واقع بديل أكثر عدالة. لكن الاستغلال في “ميكي 17” لا يقتصر على علاقة العمل، بل يمتد إلى هيمنة سياسية وأيديولوجية متكاملة، تتجسد في شخصية كينيث مارشال (الممثل مارك روفالو، الذي شاهدناه في “أشياء فقيرة”). مارشال هو السياسي الفاسد الذي يجسد رأس المال المتوحش في صورته المطلقة، وكما تفعل النخب الاقتصادية في العالم الحقيقي، يوظف أدوات السيطرة الأيديولوجية—الدين، القومية، والخطاب الشعبوي—لإدامة نظامه الاستعماري، حيث تُقنع الجماهير بضرورة تضحياتها، حتى حين يكون الثمن هو حياتها نفسها. في هذا السياق، يصبح التفاوت الطبقي، قسوة الشركات، وقوة تضامن العمال، المحاور الأساسية لأحدث أفلام بونغ جون-هو، وهو الأول له منذ فيلمه “طفيلي” (Parasite) الحائز على جائزة الأوسكار لعام 2019. ذلك الفيلم بدأ مع كي وو (الممثل تشوي وو شيك)، الشاب الجامعي الذي تحاول عائلته البقاء على قيد الحياة مالياً وسط حبكة دموية متصاعدة باستمرار، حيث يسعى للحصول على وظيفة في توصيل البيتزا فقط ليؤمّن لقمة العيش. يرى بونغ جون-هو في هذا السيناريو امتداداً طبيعياً للرأسمالية، قفزة تنطلق من العالم المعاصر الذي صوره في “طفيلي” نحو مستقبل أكثر تطرفاً، حيث يُختزل الإنسان بالكامل إلى مجرد مورد إنتاج، يُستهلك ثم يُستبدل بلا هوادة.

الفيلم ( ميكي ١٧ ) يقوم  الممثل روبرت باتينسون بدور ميكي ١٧ ، وهو شخص فقير تقوده آفاقه المسدودة إلى أن يصبح قابلا للاستهلاك – ويعرف أيضا باسم استنساخ تم إرساله في مهام محفوفة بالمخاطر غالبا ما تؤدي إلى الوفاة. لكن الوظيفة اللاإنسانية تصبح قاتلة حقا عندما ينجو ميكي 17 و يواجهه المستنسخ ميكي 18، وهو مريض نفسي قاسي غير راغب في مساعدة نظيره المحكوم عليه. سيلعب ستيفن يون و وتوني كوليت ونعومي أكي أيضا أدوارا محورية في هذا الهجاء الطبقي الذي يذكرنا بأننا أقوى معا مما نحن منفصلون. وهكذا، المخرج ا  فإن بونغ جون-هو لا يقدم مجرد نقد للرأسمالية، بل يرسم صورة مستقبلية لنظام بلغ أقصى أشكاله استهلاكاً للإنسان، حيث يصبح المستغَل والمستغِل وجهين لعملة واحدة: الأول يُفني نفسه بلا اعتراض، والثاني يستبدل ضحاياه كما يستبدل قطع غيار في آلة ضخمة لا تتوقف عن العمل.بالإضافة إلى موت أبطال الفيلم، هناك أيضاً ( الزواحف)الغريبة ـ مخلوقات مدرعة تشبه الأرماديلو (Armadillo) هو حيوان ثديي صغير ينتمي إلى فصيلة “دساسات المدرع”، ويتميز بوجود درع صلب يغطي جسمه، ما يمنحه مظهراً فريداً يشبه الدروع الواقية تصدر صرخات مزعجة وتفضل العيش في البيئة الجليدية. هذه الكائنات قد لا تكون محبوبة، لكنها ذكية بما يكفي لتجنب الأفران الحارقة، وفي النهاية تلعب دورًا في تحرير جميع نسخ ميكي.

صراع الهوية في عالم الاستنساخ

يقدم روبرت باتينسون أداءً معقدًا يعكس الصراعات الداخلية لشخصيته، مضيفاً عمقاً إلى الفيلم. يجسد دور ميكي 17، عامل من الطبقة الدنيا اختار أن يصبح “مستهلكاً ” (Expendable)، حيث يُرسل في مهام قاتلة ثم يُعاد استنساخه بعد كل وفاة. لكن عندما يحدث خلل في النظام، يجد نفسه في مواجهة نسخته التالية، ميكي 18. يبرع  الممثل باتينسون في التمييز بين الشخصيتين؛ فميكي 17 يظهر وديعاً وساذجاً، بينما يحمل ميكي 18 طابعاً أكثر صلابة وتمرداً، مستعداً لمواجهة النظام القاسي. رغم هذه التلميحات إلى صراع وجودي وسياسي، يعاني الفيلم من إيقاع بطيء بسبب ثقل السرد وتكرار المشاهد التوضيحية، مما يؤثر على تماسك المونتاج.
تبرز في دور نتاشا، مضيفة بعداً إنسانيًا للقصة. ترى ناشا ( الممثلة ناعومي آكي)، صديقة ميكي 17 الشرطية في الفضاء، الأمر من زاوية أخرى، فتتحمس لإمكانية استكشاف “إمكانات جنسية” جديدة بوجود اثنين من ميكي، لتطلق عليهما لقب ( ميكي الخفيف) و(ميكي الحار) وايضاٍ تضع رقم ١٧ و١٨ للتمييز بينهم. كما يملأ بونغ الفيلم بمشاهد أرشيفية ساخرة ومقاطع بصرية مذهلة، لكنه يفشل في منحها إيقاعًا ينبض بالحياة. حتى الشخصيات الكاريكاتورية، مثل الحاكم المستبد كينيث مارشال (مارك روفالو) الذي يشبه دونالد ترامب في غطرسته وتطرفه. وزوجته المهووسة بالطعام (توني كوليت) إعداد الصلصات، التي تصفها بأنها ( أساس أي حضارة )، وحين تقرر تحضير صلصة جديدة، يكون مكونها الرئيسي ذيول مهروسة لمخلوقات الكوكب الأصلية، والتي تُعرف لاحقاً بأنها كائنات ذكية قادرة على التواصل، لكن مارشال يصر على تسميتها “الزواحف المتسللة”.
 تبدو وكأنها إعادة تدوير باهتة لنقد سياسي مستهلك حول استغلال العمال والفرد في مواجهة النظام، يتحول إلى تجربة سينمائية باردة، تُركت تائهة بين عبثيتها وكآبتها.  يمزج الفيلم “ميكي 17” بين الخيال العلمي والنقد الاجتماعي، مدعومًا بأداءات قوية وإخراج متميز. تجربة سينمائية تستحق المشاهدة لمن يبحث عن عمل يجمع بين الترفيه والتفكير العميق.

انتهى ————-