
الاستعارة الميتة في الفيلم Dead Metaphors in Film
صالح الصحن / العراق
تعرف الاستعارة على أنها استخدام لفظي أو فني في الكلمة أو الصورة والحركة والصوت لتعبير مجازي يتبنى التشبيه اوالاقتران أو التماثل وغيرها في تقريب صورة المعنى بين حالتين لإنتاج معنى جديدا ، ويراد له إعطاء عمق المعنى ونافذة لدلالته. وتقنية السينما فكرا وآلة تشتغل على السمة الرمزية بوصف الصورة علامة سيميائية تحتمل الأيقونة والإشارة والأيحاء والدلالة، تعمل على تداخل أو قفز وانتقال المعاني واحالتها واستعاراتها وما ينجم عنها من تفسيرات وتوقعات، وهذا جزء من عالم التخيل الذهني في السينما ويقول تريفور وايتوك في كتابه “الاستعارة في لغة السينما” إن الاستعارة هي تقديم فكرة ما بلغة فكرة أخرى تنتمي إلى مقولة أخرى،وهي بلاغية، والمقولات تندمج وتتفكك بحيث يمكن التعبير عن معنى جديد. وهنا يشتغل المعنى المتولد حديثا جراء تضمينه بمحولات مستحدثة، لا تخلو من إثارة، وهذا ما يتحقق من خلال قدرة بعض الأشياء على إنتاج دلالة مزدوجة داخل التكوين الصوري الأمر الذي يسهل على خلق الاستعارة. وتأتي الاستعارة احيانا من التجاور، فلقطة لفتاة ترتدي زيا دراسيا ثم تجاورها لقطة لمدرسة ينتج عن ذلك أن الفتاة طالبة، فهذه استعارة تحققت بفعل لقطة القطع لتجاور اللقطات، ونعتقد ان مثل هذه المفاهيم لن تبتعد كثيرا عن رؤية ارسطو بقوله: “من الملائم اشتقاق الاستعارة… من موضوعات ترتبط ارتباطا وثيقا بالاشياء نفسها ولكنها غير واضحة مباشرة ”
واذا كانت الاستعارة نتاج التشبيه بين حالتين، فهذا لا ينبغي التطابق بينهما، كما نقول كلمة التفاح فهي فاكهة ولكن قد تعني معنى أخرا مغايرا تماما عن الفاكهة، او كلمة الكرسي كقطعة اثاث ولكنها قد تعني السلطة أو المنصب أو الادارة أو القيادة أو الكثير من المعاني الاخرى المختلفة عن سمة الاثاث وغيرها، ويقول الكاتب الكندي كليفتون”ان المشاهدين أنفسهم لابد أن يصنعوا الاستعارة، انهم يتلقون الأسمنت والحصى غير ان عليهم خلط الأسمنت” في إشارة واضحة لتحريك المخيلة في استنتاج المعنى، بشكل حاذق، وليس كما نقول في الفيلم ان “الحب جنون” كتعبير لفظي، ليس بالضرورة تعزيزه بمشاهد كوميدية حمقاء، كترجمة للجنون .الاستعارة وثيقة الصلة بالصورة ذلك ما تصرح بها محمولاتها،فهي تشير وتدل وتحلل وترمز، وهذا ما يمكن اعتبار مثل هذه الأفعال هي فروع مشتقة من الاستعارة، يقترب قول كريستان ميتز من قول اندريه بازان” بأن الصورة تظل إلى حد ما رسما لمشهد سالف “بمعنى انها تستعير من السابق حالة ما أو حركة ما أو صورة أو شكل أو موضوع وغيرها، وفضلا عن ذلك تتمتع الاستعارة بجملة من الخصائص، منها، انها تنمق وتزخرف الافكار والكلمات والمعاني والصور، وذات تأثير انفعالي وحيوي، وهي أيضا تنظم إلى الايجاز واختصار عدد من العبارات المركبة إلى صورة واحدة مكثفة، وهي القادرة على منح الاسم لمن يجهله او يفقده. ان المعاني وظلالها التي تتولد من الصورة تساعد على خلق حالة الاستعارة، بطبيعة مزدوجة للصورة.
أن الاستعارة تولد بالخبرة، وتنتج أثرا فاعلا جراء العديد من محتملات الولادة، فهي تنتج من المقارنة، ومن التجاور، والتماثل والأيحاء والكناية والبديل الموضوعي ومن لعبة التحريف وحالات كسر القواعد وغيرها.
هناك نوعين منها، أحدهما “الحية” التي تحتفظ بتأثيرها البلاغي مع استدعاء الصورة الذهنية واخرى “الميتة”.. التي تستخدم كما لو كان التعبير عاديا تقليديا
فتعبير بعض العبارات التي عدت جزءا من جسد المنجز الفني ،فعبارة “رجلك في القبر” تحمل دلالة مجازية لتفسير حالة التعرض لطول العمر، وحتمية الموت، كما الحال لتعبير موت المؤلف، او اطير من الفرح، او اموت من القهر،
وهناك العديد من العبارات التي تحمل الاستعارة الميتة، مثل، جرح القلب، طعن الكلمات، طعن الشرف، او ملىء قلبي قيحا، او صور تحمل ذات المعنى، صورة الطيور في السماء هو تحليق لروح فاضت إلى بارئها، او صورة ذبح الأبقار في المدرعة بوتمكن للإشارة إلى المجزرة، او عبور قطار في نفق، او لقطة انكسار زجاجة معينة،تعبيرا لانتهاك ما او مرور الغراب وهو ينعق، تلويحا لحالة سوء أو موت .وتتجلى الاستعارة الميتة في اللقطة الأخيرة من فيلم محاكمة جان دارك حيث تركز الكاميرا على العمود الخشبي المتفحم الذي كانوا يوثقون اليه المحكوم عليه بالحرق.
ويعتبر الكاتب كليفتون ان معظم لقطات الصعود والنزول هي استعارات ميتة” وكذا الحال بالنسبة للدخول أو الخروج وما يمت بصلة بخطوط الحركة والتكوين، كما الحال بلقطة سقوط الماء بهيئة الشلال في إشارة منها إلى حالة السقوط والتردي .وهناك توصيف في الاستعارة الميتة التي تكتفي بوضع الوصف الحرفي في العبارة وتحقيق المعنى مثل عبارة (ناطحة السحاب) أو (الطاحونة الحمراء). أو (سكة الموت).أو (سكرات الموت)
فالاستعارة لا تسهل في الوصف وإنما تدل على شيء ما، وهي تقدم فكرتين في صيغة واحدة، مع شيء من الإشعاع الذهني في الشبه والاقتران والتناظر.
و إذا أردنا ان نصف شخصا على انه طاهرا فاضلا نقول عنه “ملاك” أو “ذهب” في إشارة اليه،ففي السينما تعد الاستعارة صورة وكلام تحمل من البلاغة في التعبير والاختزال، بل وتشكل مفتاحا لفكرة مهمة جدا.
واذا أردنا ان نصف شخصا بالهمجية ندعوه بصفة (حيوان) أو (كلب)أو (حقير) وهناك تعبيرات استعارة ميتة، متاحة الاستخدام في الادب والثقافة والفنون، مثل عبارة تمطر قططا وكلابا، او كشف” نزع” الحقيقة و”طريق مسدود” و”امسك خيوطك” وغيرها
واستخدام المفردات بغرض الاستعارة شمل العديد من الحقول واجناس المعارف والبيئات، ومختلف الظروف.وجاء لدى لاكوف و جونسون” ان الاستعارة بوصفها نشاطا معرفيا لا مجرد حيلة لغوية،”وجاء تعبير وايتوك بكتابه الاستعارة في لغة السينما”ان عملية تصميم وتصوير اللقطات ذاتها تتضمن المقولات وكذلك الاستعارات التي تسهم في بناء الكثير من المقولات” وهناك العديد من انواع الاستعارات منها المباشرة والضمنية والمختلطة والميتة. وقد تضمنت بعض الأفلام العبارة الشائعة “لقد ركل الدلو” وبتعبير شعبي محليا يقال “شمع الخيط” للدلالة على موت شخص معين، أما الشخص الذي تكدست عليه المعاملات فقوله “غارق بالاوراق”
أو انت عنيد، او له راس خنزير أو الرجال يتصببون عرقا، او النساء يتضرجن بالماء، وهناك ما يشتغل على الاستعارة بخلق الاشكال التعبيرية كما حصل في فيلم “الرجل الثالث”، عندما استخدم المخرج كارول ريد عددا ليس بقليل من اللقطات المائلة للإشارة إلى الانحراف الأخلاقي وفقدان التوازن.وموت الاستقامة أو العدالة.
وفي السينما هنالك انواع من الاستعارات منها، التشكيلية الدرامية والفكرية، وهنالك حالات متقاربة من الاستعارة لا تخلو من الابهام، ففي فيلم سايكو هيتشكوك، حيث الفتاة ما يون كرين (جانيت لي) التي هربت من المصرف بمال أخذته من احد الزبائن ولجئت إلى فندق عبرت فيه للشاب نورمان بيتس (انتوني بركن) عن ندمها وحماقتها، وفي رغبة لها لارجاع النقود، وعندها تذهب إلى الحمام، للاغتسال كحالة طبيعية، لكنه يعني الكثير من التطهر من الذنوب، والتوبة، وهنا يتولد شعور كبير بالتطابق، ولكن الصدمة الكبرى تحصل في مقتلها في الحمام من قبل الشاب الذي لجئت اليه بعد أن ارتدى ثياب امه بخدعة صادمة. ويرد في كتاب الاستعارة في لغة السينما لوايتوك، (في فيلم الانفجار لانطونيوني، يحاول المصور ديفيد هيمنجز وهو يلتقط صورة لعارضة الأزياء فيروشكا ان يحصل منها على تعبيرا لوجه الذي يريده عن طريق اثارتها بشكل موح بجسده وبالكاميرا،
وعندما تتعاظم حدة الجلسة بصراخه وجلوسه عبرها متباعدا ما بين رجليه وتشنج حركاتهما، يتخذ سلوك الاثنين بشكل متزايد مظهر الفعل المشين، وتعتبر الاستعارة مهمة في الفيلم،) وفي فيلم الازمنة الحديثة لشابلن، ان لقطة قطيع الغنم استعارة معروفة لصورة ازدحام الناس، في إشارة لسلوك مشابه بين الحالتين، وقد تاخذ الاستعارة منحى اخر تتمثل بابدال احد الاشكال بشكل اخر، بمضمون استعاري، ففي فيلم “نقطة التحول” تغازل اميليا “لزلي براون” بعينيها النجم الروسي يوري ميخائيل، “باريشنيكوف” فإنها تتخيل أنهما يحبان بعضهما، في مشهد خيالي قصير مع الرقص المتخيل الماخوذ من روميو وجوليت إلى أن تنتهي بثنائية فعل الممارسة، بعد أن تتحول إلى استعارة تماثل، اما الاستعارة المميتة القاتلة لصورة العلاقة بين سيد وسيدة وهما في رحلة سياحية بواسطة زورقهما،وقد تقرب منهما شابا للمساعدة في جلب الكرة أو غيرها فقد حصلت في فيلم “سكين في الماء” لبولانسكي الذي يجمع الشاب مع الزوجة في مشهد متحقق جسديا ونحن لا نرى الأ بعض الملامح في أسفل الكادر بعد أن راينا الزورق المقلوب ” استعارة لانقلاب حياتهما *، الذي كان يجمع الزوج والزوجة في رحلتها التي انتهت بماساة الخيانة.. كما استخدم انطونيوني في فيلم الخسوف” “برجا “غريب الشكل على هيئة عش الغراب في بداية الفيلم استعارة كشكل ملفت للنحس وسوء الطالع .
واخيرا نقول ان للاستعارة سمات ينبغي أن نستمتع بها عند المشاهدة في الفيلم، وهي وجوب ملائمتها في الحبكة، وان تحقق الدهشة، وان تشتغل على إثارة فعل الذاكرة والربط بين الحالات، وان تكون مسلحة بالمسوغات الدالة لضرورة تصميمها وطرحها، وعليها ان تحقق لنا وعيا جديدا، وادراكا في الاعتقاد لما يجري من أحداث ومشاهد وتعبيرات.ذلك ان الاستعارة المؤثرة هي التي تستبعد المقولات المستهلكة التقليدية الشائعة، بل عليها ان تكتسب السمة التجريبية ، فهي التي تخلق وتكتشف، وتمارس حرية اللعب بالكلمات والمعاني والأفكار والصور والعلامات بما هو اكثر التصاقا بالبلاغة في تحريك المخيلة، نحو استعارة ميتة ننفذ إليها عبر اداة معيارية،لكشف المعنى والدلالة ومجريات نسيج الأحداث في عالم الفيلم وفلسفته.

صالح الصحن