
منهجي في كتابة النقد السينمائي
النقد السينمائي كدراسة حالة
من أوضح تعاريف النقد السينمائي هو عملية تحليل وتذوق الفيلم فنياً وتقييمه من جوانبه الفكرية والفنية . والناقد السينمائي هو ذلك الشخص المحترف والمقتدر على تقيم الفلم مستنداً على امتلاكه ناصية التنوع الثقافي ويمتاز بعمق الرؤيا والالمام بالعمليات الفنية لصناعة الفيلم والذي يملك منهجا” نقدياً واضحاً غير مشوش يبني على ضوئه تحليله النقدي. في هذا العدد نستضيف الناقد محمد بنعزيز للتعرف على تجربته ومنهجه في النقد السينمائي ..
هيئة التحرير
محمد بنعزيز المغرب
قال دَبشَليم مَلك الهند لبَيْدَبا رأس فلاسفة النقد السينمائي: اضرب لي مثلا بفيلم لنرى من ما صُنع. هيا قل، فهناك حاجة ماسة إلى كتابة نقدية سينمائية مرافقة لثورة شاشات البث في القرن الواحد والعشرين.
أجاب بَيدبا من كراس أمامه، لأن هذا الجواب لا يُرتجل:
النقد والفيلم
- النقد هو فن القول عن الفن. النقد مثل الحكي، هو ثروة فكرية تقنية من إنتاج عقل بشري.والناقد السينمائي هو الذي يحلل ويفكك ما يجري على الشاشة، يتحدث عن الفيلم وليس عن السوسيولوجيا والسيكولوجيا. يحلل سُلم اللقطات ومنطق تتابعها أي السرد. يبرز كيف تغْني الفنون الستة الفن السابع ويقف عند بناء الشخصيات ويفسر تطورها. ويربط الناقد كل ذلك بأسلوب المخرج وموقع الكاميرا، وذلك لتجنب قول انطباعي تعجبي حماسي من قبيل: جميل رائع جليل… والهدف من النقد هو الوساطة بين الفيلم والمتفرج لتقاسم المتعة والفهم. يقول المَثل الهندي “ما أتْعَس المنظر الجميل عندما لا تجد أحداً لتبدي إليه بإعجابك به”. مهمة الناقد هي أن يُبدي رأيه ويبدد تلك التعاسة.
- لابد من كتابة بيداغوجية تعتمد مفاهيمدقيقة لفحص ومقاربة محتويات طرائق السرد البصري. كتابة تبحث أين توجد متعة السينما وتشير إلى سبل اكتشافها ومنهج إنتاجها وتبليغها. كل فيلم هو سرد بالصور، وهذا السرد بالصور بدأ في الرسم. ومنذ بداية القرن العشرين تم الانتقال من الحكي للأذن إلى الحكي للعين. والأداة الرئيسية للحكي هي الكاميرا بديل العين.
- كل فيلم هو سرد أساسا، وقانون الحكاية يؤطر افق انتظار المتفرج. كل متفرج ينتظر أن تحكي له الكاميرا كما حكت شهرزاد. لذا فتعلم النقد من مدخل السردوحكايات كليلة ودمنة ولافونتين أفضل من محاولة تعلمه من مدخل المفاهيم. السرد تقليد شفوي عريق حسي واقعي شامل حيوي اجتماعي والمفاهيم نظرية تجريدية ظهرت بشكل متأخر. الفن حكي بالأساس، مشاهد تولد أحاسيس. وكل تجريد مفاهيمي يبدد هذه المعايشة ومتعة المتفرج. لذا يجب أن يكون النقد سرديا حسّيا حيويا لا ان يغرق في التصنيف والتجريد.
- لتحقيق هذا لابد من كتابة تجيب عن أسئلة عملية محددة: ما هي الخلفيات المعرفية والفنية الضرورية لإنتاج وكتابة النقد السينمائي؟ كيف يُحلّل الفيلمُ السينمائي؟ كيف تساهم الكتابة عن السينما في تطوير السرد الفيلمي؟ كيف يمكن للنقد السينمائي أن يساهم في تقدم الفن؟ كيف نوفر مادة ثقافية تغني النقاش على هامش المهرجانات؟ كيف نجعل من كثافة الإنتاج السينمائي رافعة ثقافية؟كيف يوفر التحليل الفيلمي خبرة فنية للشباب الذين يدرسون السينما؟
- الكتابة عن السينما بهدف فهم كيف تصنع الأفلام؟
نقد السائد
- لابد من كتابة تتجنب الاعطاب السائدة: مقالات عمومية مرتجلةمشبعة بالاستطرادات مغرقة في التجريد ومفرطة في التنظير غير الموثق وتستشهد بأسماء فلاسفة عاشوا أصلا قبل ظهور السينما. مقالات يفترض أنها عن السينما، ولا يذكر كتابها ولو فيلما واحدا، مقالات موضوعاتية عن المرأة في السينما والطفل والتاريخ في السينما والبطاطس في السينما، مقالات هي مقاربات فضفاضة تعتبر الفيلم وثيقة وشهادة وأداة معرفة بالمجتمع، سوسيولوجية في أحسن الأحوال، ولكن ليست فنية. مقالات فيها جمل طويلة تشمل أكثر من عشرين كلمة… مقالات فيها الكثير من أدوات النفي والاستدراك والإضراب مثل: ليس، لكن، بل، غير أن… أساليب إنشائية في كل سطر. مقالات نفي وليست مقالات خبرية تعّرض معارف فنية. مقالات اشبه بسيرة ذاتية لكاتب يتجول في المهرجانات، يكثر من ضمير المتكلم ويمتدح طيبوبة الأصدقاء، لذلك فهي مقالات تنويهات متبادلة من باب “الكلمة الطيبة صدقة”. مقالات مغرقة في الذاتية لا تمدّ عقل القارئ بمعلومات عن الأفلام… مقالات تندرج ضمن النقد الأدبي لأنها تستعير معجم وأسلوب الناقد الأدبي المصري شوقي ضيف (1910-2005) في نقد الأدب العربي القديم، وفي تناوله للعصر الجاهلي والعصر الإسلامي.
- إن الكتابة عن فيلم لا تعني تلخيص القصة وكشف النهاية مما يحرق فرصة المتفرج في المتعة والاكتشاف.
- في كتاب “النقد والحقيقة”هاجم رولان بارت النقد المبني على التلاحم السيكولوجي والبديهيات وسيعتبره بأنه سيكولوجية بالية شائعة محتشمة.
البديــــــــــــــــــــــل
- “النقد هو مطالبة النص بالتدليل على وسائله، أو مضامينه” حسب المتفلسف المغربي طه عبد الرحمن. ووسائل الفيلم هي الصورة والحدث وبناء الشخصية… وسائل الفيلم مستعارة من الفنون السابقة على السينما وقد صارت مجمعة في فن واحد.
- النتيجة هي مفاهيم مقتبسة من الفنون السابقة للسينما زائد المفاهيم السينمائية المبتكرة منذ قرن. طبعا يحضر المفهوم في عنوان المقال، عنوان يحدد طريقة المقاربة ويطرح فرضية سيثبت المقال وجودها ويفسرها. للمقال عنوان مفاهيمي وليس معلومة صحافية. المفهوم يضع فرضية، ووظيفة “الفرض هي أن يفسر بقدر ما يعلل الظواهر ويتنبأ بالمستقبل”. يوجه المفهوم المستخدم في العنوان الملاحظات الأساسية عن الفيلم وعن توصيفه.
- إن النقد السينمائي هو استخدام العلامة اللفظية لفك شيفرة التّعمية عن العلامة المرئية المعروضة على الشاشة. وموضوع هذا النقد هو تحليل بُنى وميكانيزماتالسرد والمونتاج وأداء الممثلين والإضاءة واللون واستثمار الزمان والمكان… بعدها يتم إصدار حكم تقييمي للفيلم. أما منهج هذا النقد فهو مستعار من اللسانيات والفن التشكيلي والرواية، أما لغته فهي لغة حديثة لا أثر فيها لرائحة الوعظ الفقهي ولا لمعجم دراسة الأدب القديم.
هنا ألقي نظرة على منهجي في الكتابة
- هذا تمرين بيداغوجي في النقد السينمائي من خلال أفلام عالمية شهيرة، تمرينهذه سماته:
المقال النقدي هو دراسة حالة: المناخ هو دراسة تطور وضع الجو لآلاف السنين، منذ انقراض الديناصور. السينما هي مجموع الأفلام منذ العرض الأول نهاية القرن التاسع عشر. الطقس هو دراسة حالة الجو ليوم واحد. تتناول النشرة الجوية طقس يوم واحد. يتناول النقد السينمائي فيلما واحدا وليس كل السينما. كل نقد هو دراسة حالة، هو دراسة محايثة لا متعالية.
- أول مهمة في مقال النقد السينمائي هو: وصف ما شاهده لمن لم يشاهده أو لمن شاهده بعين عادية. المهمة الثانية هي التحليل والثالثة هي التعليق والتفسير. من الجيد الختم بالذوق وليس البدء به. إصدار حكم مستقل عن كل مصلحة، حكم ذوق ومتعة، شرط ان تحرّره يدٌ خلّاقة.
- إن فعل التلقي حسي وليس تجريديا عقلانيا. تقول إحدى شخصيات دوستويفسكي “أنا يا أصدقائي لست مثقفا، ولكنني أستطيع أن أحس وأن أشعر”. وسيلة التلقي هي الحواس، هي الشعور. يقولالشاعر بودلير “إن وظيفة الحواس هي نقل الانطباعات المتولدة عن العالم الخارجي”، لذا ممنوع تعظيم شأن العقل على حساب الحواس في تحليل فعل التلقي.
- النتيجة حسب أمبيرتو إيكو هي “إن علم الجمال المعاصر يرى أن لحظة تلقي ما هو جميل هي بصفة عامة لحظة حدس”، والحدس هو “معرفة الذات بالموضوع بشكل مباشر من دون وساطة المنهج”. إن التلقي حدس والتحليل النقدي مسألة منهج.
- إن نقد فيلم هو دراسة حالة محددة في سياق محدد. لا يمكن تناول تاريخ السينما والمناخ كله في مقال واحد، لنحاول تناول طقس فيلم واحد.
- هذا منهج نقدي يتبع قواعد دراسة حالة، وذلك بملاحظة وانتقاء ظاهرة فنية واستخراج بيانات الظاهرة من الفيلم للتركيز عليها بالتحليل والتعليق عليها. وقد تشكلت هذه النظرية بالبراكسيس، بالمواظبة، بالكتابة بعد مشاهدة كل فيلم. وهدفها التعبير عن حساسية فنية مرهفة وعن ذوق عصري لصيق بالفيلم كمتن.
النقد تحليل لإرجاع الفيلم إلى أجزائه الفنية الصغرى.
- يمكن التمييز بين منهجين في الكتابة.
أولا كتابة أفقية (إخبارية مع ومضات نقدية).
ثانيا كتابة عمودية تتعمق لتحلل بمعجم فني متخصص.
أستخدم الطريقة الأولى لنشر بضع اسطر على مواقع التواصل الاجتماعي، وأستخدم الطريقة الثانية لتحرير نص نقدي بمعجم سينمائي حداثي يستلهم معجمه من السرديات والتشكيل ولغة التقطيع السينمائي.
إذا كانت الكتابة عن الأفلام الرديئة محنة، فإن الكتابة عن الأفلام العظيمة متعة.
- إن الفيلم نصّيقرأ ويفكك ويحلل، والتحليل هو عزل كل عنصر ودراسته لذاته ثم إظهار صلته بباقي المكونات المجاورة له في تركيب – مونتاج الفيلم.
- لتكتب يجب أن تشاهد الفيلم أكثر من مرة، والمشاهدة للمرة الثانية أمتع في الأفلام العظيمة.
- ،لتحرير محتوى نقدي أصيل أي غير مستهلك،لابد من ناقد يملك خلفية نظرية ويستطيع أن يلاحظ الظواهر الفنية ويدقق في خصائصها في كل فيلم يتناوله ويستدعي معارف سابقة ليتجنب أغلاط البصر.
- لكل أثر فني شكل ومضمون يُحلل. ولابد من ترك أثر مكتوب بعد كل مشاهدة لفيلم.
- كيف يترك الفيلم في المتفرج فكرة كانت مجهولة له؟ هذا هو التحدي. “تضع الأساطير الأفكار لدى الإنسان الذي يجهلها” حسب كلود ليفي ستراوس. هذه هي مهمة السينما في القرن العشرين، أي أن تكشف للإنسان ما فيه ويجهله.
- ما منهج النقد السينمائي؟استقراء المادة المعروضة على الشاشة. الاستقراء هو أحد مناهج علم المنطق وهو منهج العلوم الطبيعية بعامة. وهو الانتقال من الجزئيات والأمثلة للتعميم. مثلا: الحديد يتمدد بالحرارة. الرصاص يتمدد الذهب… المعادن تتمدد بالحرارة. تاريخ الفكر الغربي ص971. “إن المعرفة الإنسانية كلها تقوم على الخبرة الحسية بالأشياء الجزئية” في التحليل يحتاج الناقد إلى المعلومات فنية موثقة لدعم أفكاره. لذا لابد من الكتب المرجعية لانتقاء المفاهيم الرئيسية التي سيخدمها الناقد في كتاباته.
- كتبت مقالات بدون مقدماتتنظيرية لأن النظرية تتكشف في التحليل. مقالات تنزل النقد السينمائي من السماء إلى الأرض عبر تقديم تحليل فيلمي ملموس يحاور بُنيان الصورة في فيلم محدد. النظرية تعمم، وقد تعمي كما في صورة الغلاف، أما البراكسيس فهو يفتح العيون على الشاشة.
- كتابة تدافع عن أطروحة مفادها أن السينما القوية هي التي تستهدف الجمهور العريض باستثمار قواعد السرد الكوني كالشطرنج وتتجنب سردا مغرقا في المحليةلدرجة الانغلاق، ويجهل منطق السرد الذي ترسخ في الممارسة السردية العالمية. حالات خاصة ليصنع بها قانون عام.
- اكتب النقد السينمائي دون أن ابتعد عن ميلي للثقافة الشعبية، لذلك فاختياري للأفلاملا يقتصر على أفلام نخبوية، فيها معايير اسلوبية يتم تقديرها في المهرجانات، بل يمتد إلى أفلام جمعت بين الجودة وتحقيق نجاح جماهيري. وقد حاولت أن يخترق الدفاع عن هذه الأطروحة كل صفحة في هذا الكتاب.
- الثقافة السينمائية، الشغف والامكانيات… هذا ما تحتاجه صناعة الأفلام… هذا ما يحتاجه النقد السينمائي.
- الكتابة فعل فهم وإفهام وتوصيل معاني… تساعد الممارسة المنتظمة لوقت طويل على تشكل نمط كتابة واضح. الكتابة مطالعة ومشاهدة وبحث وتحرير مرهق… الكتابة بنت المطالعة والمشاهدة. وحين يتحقق هذا، فإن الكتابة النقدية تكون غنية لأنها مبنية على منهج ومفاهيم.
- لا تتوقف عن المطالعة والمشاهدة وستظهر الزبدة بعد حين.
- أن النقد السينمائي يهدف إلى وصف الأفلام وتقويمها وفق معياريْ الذوق والمعنى. وبذلك يصير الناقد وسيطا بين المتفرج والعمل الفني بغرض تسهيل تلقي الفيلم. كما أنه يبرز جماليات السينما ويكشف مظاهر التجديد فيها.
- ان النقد أساسي في حضارة الصورة التي نعيشها خاصة وأنه ينبه للإثارة السلبية التي تصيب المتفرجين الذين يفتقدون الحس النقدي.
خطأ الناقد
- لا يتحدث الناقد بإطناب عن كل السينما التي صورت المجتمع وعبرت عن قضاياه الوجودية والوجدانية وفلسفة الصورة والمخرجين العباقرة، لا يتحدث عن السينما برمتها كأنه يعرفها كلها من غير أن يضرب مثلا بفيلم واحد. يتحرر هذا المتحدث بالسباحة في عموميات المادة الواسعة ولا يرهق نفسه بالأسئلة المحددة والأمثلة المحددة لأنه لم يتعود على الدقة. تعرض السينما زمنا مشدودا متوترا ولا يليق الكتابة والحديث عنه باعتماد الحشو والإطناب.
- لإنتاج نقد دقيق لابد من فيلم ومراجع ثم منهج. لا يمكن للناقد ومدرس السينما الحديث عن فيلم دون مراجع لأنه لم يكن حاضرا أثناء التصوير ولم يعاصر صديقه المخرج… لابد من وثائق ومنهج لبناء معرفة بالموضوع.
هذا نهج لترسيخ التقاليد النقدية الكتابية ومرافعة لتحرير النقد السينمائي المغربي من الإطار التعميمي الذي وضعه السينيفيلي حامل الذوق السوفياتي.
- مهمة الناقد: إنمهمة النقد السينمائي في مقالة أو مداخلة من عشرين دقيقة هي تحليل فيلم على أمل استيفاء الموضوع حقه. لابد من التركيز على ما تعرضه الشاشة. يقول جان كوكتو “السينما هي الكتابة الحديثة التي حبرها الضوء”، والنقد السينمائي هو التفاعل مع هذا الحبر.
- ما موضوع النقد؟ هيا نستعيره من جوائز الأوسكار التي تحدد الحرف السينمائية وتكافئ المبدعين، صناع الفيلم. إنها: السيناريو، أصلي أو مقتبس؟ التمثيل أساسي وثانوي، لباس الممثل ومكياجه. الاخراج تقليدي أو حركي؟ التصوير، الإضاءة وموقع الكاميرا. المونتاج تراكمي أم تركيبي؟ الموسيقى والمؤثرات الصوتية والبصرية… من هذه الجوائز يظهر أن الفيلم ليس قضية فلسفية مجردة، إنه متن بصري ملموس أولا ويمكن تأويله فلسفيا، لكن دون القفز على ماهيته الفنية. ممنوع لي عنق الفيلم ليتلاءم مع موقف مسبق.
- النقد هو محاكمة المعرفة الجمالية والشعورية بمقياس المعرفة المنطقية العقلية. يفترض أن يعرف الناقد الروائي كيف تكتب الرواية وأن يعرف الناقد السينمائي كيف تكتب وتصنع الافلام.تلك مكونات تتمازج ولا تتجاور فقط يربطها حرف العطف. الفيلم نص يقرأ ويحلل ويفكك. التحليل هو فعل بعثرة ما هو مجمع ومركب. الفيلم مركب من عناصر متباينة تدمج في عمل فني واحد يضاعف تأثيرها كما يقول الرياضيون عن الاعداد المركبة التي يحكمها قانون تكاثري، (2) وكذلك مكونات الفيلم، فتركيبها المعقد والمتفاعل يكثف قوتها الدلالية والعاطفية. يمكن لصوت او حركة كاميرا يرافق نظرة شخصية أن يمنحها دلالات وأثرا أكبر. مثلا في فيلم “الراهبة” (2018 للمخرج كوران هاردي) يحط غراب على صليب. يتولد المعنى ثالث من العنصرين. هنا تتحقق استعارة واحد زائد واحد تساوي ثلاثة في الفن. مثال مضاد: لو صوّر فيلم مغربي غرابا يحط على هلال فوق مسجد لأثار ذلك جدلا.
- بيداغوجيا الوضوح: بدلا من مناقشة كل السينما دفعة واحدة لابد من التركيز على مثال محدود من فيلم معلوم.
- السؤال المحدود هو مناقشة جانب فرعي مثل مناقشة الإخراج أو التمثيل أو السرد أو الزمكان… وهذا يشبه المنهج الاستقصائي في علم الاجتماع. وهو ما شرحه السوسيولوجي المغربي عبد الله حمودي في محاضرة بعنوان “سؤال المنهج في راهنيتنا”. وقد أكد فيها ضرورة الانطلاق من أسئلة محدودة، من أمثلة محدودة لاستخلاص أفكار تناقش وهذا أفضل من العموميات في مادة مستفيضة. هذا المنهج هو خيط رابط بين الكتابة في مجالات عديدة منها النقد السينمائي. واستشهد حمودي بقول عبد الله العروي بأنه “لابد من منهج وإلا فإن تساؤلاتنا ستبقى خطابا أيديولوجيا لا هو ينتج مادة جديدة ولا هو ينتج معرفة”.
المنهج:
- إن المنهج يصنف. يسهل التصنيف تدبير ركام المعلومات. لذلك طالب حمودي بمنهج أولا ينتج باراديغم (إطار نظري) وثانيا يوفر مفاهيم ومصطلحات متراصة وثالثا يوفر مسافة نقدية في الملاحظة والتشخيص والتوصيف والتنظير والاستنتاج في التعامل مع كل ما هو حميمي. على صعيد الباريديغم، المنهج هو طريقة لتجاوز فخفخة الكلام وتضخيمه في فقاعات لفظية لا محتوى فيها. حين يغيب المنهج يهيمن البريكولاج والذوق. “الذوق سمة عامية للتقديرات الفنية لدى الفرد”، (4) المنهج ليس سمة عامية، إنه سمة خصوصية نخبوية دقيقة.
- هل يمكن التفكير بدون مفاهيم؟ لابد من مصطلحات تنفط من النص من الإغراق في الذاتية والمحلية. لابد من قاموس بصري معاصر، ومعجم يدعم الوحدة الداخلية للمقاربة الكتابة بلغة حديثة لا أثر فيها لرائحة الفقه ومعجم الشعر القديم واستعاراته وتعابيره المسكوكة من قبيل لا مشاحة أن بطل الفيلم كان يمارس الرذيلة. هذا تعبير ملائم حين يصدر عن فقيه لا عن ناقد.
- المنهج ضروري لكتابة نقد دقيق يثمر معرفة. النقد ليس بمعنى القدح بل بمعنى تعرية الفرضيات الدفينة.
- كيف يمكن للنقد أن يخدم الفن؟ الجواب كما خدم كارل ماركس النظام الرأسمالي بنقده. كان اشرس نقد هو الذي كتبه ماركس ضد الرأسمالية والبرجوازية حين هبت ريح الثورات في 1848. قال ماركس في “البيان الشيوعي” ان الرأسمالية تهيمن على العالم وتستغل البروليتاريا وتنتج سلعا غير مسبوقة وأن البرجوازية تبني عالما على صورتها. كان نقد ماركس للرأسمالية للبرجوازيين قاسيا لذلك أفاد من وجه لهم. لقد فهموا أن الثورة خطيرة وأنه لامتصاص الغضب الطبقي يستحسن تلبية بعض مطالب الكادحين دون ثورة. النتيجة انه في ظرف ثمانية عشر شهرا التالية لعام 1848 توحد الرأسماليون بقوة فهزموا الحكومات الثورية واسترجعت القوى المحافظة نفوذها في ألمانيا والنمسا… اصلح النظام نفسه تحت ضربات النقد وبفضلها. يفترض أن يفعل النقد السينمائي ذلك بالأفلام.
- وعن سؤال المنهج: كيف يصير الفرد نجما؟ أجاب الممثل والمخرج برادلي كوبر في فيلمه “ميلاد نجمة”: أولا وقبل كل شيء، يجب أن يكون لديك ما تقوله، ما تحكيه.ثانيا، يجب أن تقول ذلك بالطريقة التي سيحبها الجمهور.
كل فرد يحاول أن يحرز اسما وشهرة، ولابد له من منهج.
- ما هي الخدمة التي يمكن أن يقدمها النقد المُمنهج والصارم للمشهد الفني؟ أولا يكتشف المبدعين ويدعمهم ويحدد نقط قوة عملهم لتطويرها. ثانيا يفضح النقد المدعين ويجبر الطفيليين على التفكير قبل اقتحام مشهد يحتاج فنانين مثقفين لا سماسرة. ثالثا ان النقد ليس بمعنى القدح بل بمعنى تعرية الفرضيات الدفينة. النظريات الفنية التي تؤطر الفعل الإبداعي.
- النقد ضروري لفرز القمح من الزوان. الزوان نبات طفيلي يشبه القمح لكن لا ثمر فيه وقت الحصاد، والقمح قوي اللب وهو ابن الحقل ويصمد في الزمن.
مراجع ومفاهيم
- للنقد السينمائي ثلاثة أعمدة تسنده وتمدّه بلغة اصطلاحية وهذه الأعمدة هي السرديات والرسم والأنثروبولوجيا. النقد السينمائي هو مجموع نقد الفنون الستة السابقة على السينما. خاصة نقد المسرح والرواية والفن التشكيلي. لقد هضمتْ السينما الفنون السابقة عليها، وهذا ما يجبر النقاد على الاطلاع على تلك الفنون.
- تستمدّ هذه اللغة مفاهيمها من اللّسانيات البنيوية حسب رولان بارت. حسب روجر فاولر “تزود اللسانيات النقد بالفرضيات وتزوده بمصطلحات لها سِمَتيْن كحدّ أدنى: أولا هي مصطلحات شاملة (Comprehensive) وثانيا نظامية (Systematic). وتأكيدا على جدوى المنهج كتب ميشيل فوكو “حيثما يتعلق الأمر بتحليل اللغة والميثولوجيا أو الحكايات الشعبية أو القصائد الشعرية أو الأحلام أو الآثار الأدبية أو حتى الأفلام، يساعد الوصف البنيوي على إبراز علاقات لم يكن بالإمكان إبرازها لولاه”، وقد طبق فوكو منهجه وحلل لوحة “الوصيفات” للرسام دييغو فيلاسكيز (1599- 1660) في صفحات مذهلة في الفصل الأول من كتابه “الكلمات والأشياء” 1966.
باستثمار هذا المنهج يمكن للسانيات البنيوية التي ساهمت في تقدم السرديات أن تفيد النقد السينمائي بتقليص الانطباعية والعمومية. يهتم اللّساني بالجملة ولا يتعداها، كذلك “يصِف عالِم النبات الزهرة ولا ينشغل بوصف كل باقة الزهر” حسب رولان بارت، هكذا يحدّق منهج اللسانيات عن قرب في عيّنة طارحا اسئلة محددة… بدلا من التحليق في ثرثرة عن الصورة السينمائية.
للتخلص من ذلك، لابد من معرفة تاريخ نقد الفن، ولابد من مراجع أساسية تسمح للمقال النقدي بإنتاج معرفة وخطاب سينمائي عميق ومؤثر.
- للوصول لهذا الهدف يمكن تحليل الفيلم أنثروبولوجيا باستثمار منهج كلود ليفي ستراوس أو سرديا باستلهام عمل جيرار جينيت. حسب هذا الأخير فمهمّة الناقد الذي يحترم نفسه ليست عرض التصورات الشاملة بل هو الانشغال بتفاصيل التحليلات أي القراءات. بهذا المنطق يرفض جينيت أي نقد “ذو طابع عام جدا ولا ينصبّ على أي فصل بعينه”. ولم يكتف جينيت بالنصح بل انتقل إلى التطبيق وقدم كتابا تطبيقيا ضخما لحماية النص النقدي من فائض التنظير.
- كيف؟ بتقديم أمثلة من الرواية (والفيلم)، عن بنية السرد، نقط قوته وضعفه؟ عن طريقة الإخراج تقليدية أم مبتكرة؟ عن أداء الممثلين، حيوي أو ميكانيكي؟ عن توظيف الديكور لتقوية السرد، عن وظيفة الإضاءة في تفسير الشخصيات…
- تزداد متعة الفعل النقدي بتوفر القدرة على ملاحظة قضايا لا يراها المتفرج العادي. إن وظيفة النقد هي تمكين المشاهد من أن يرى بشكل أفضل، ويكون هذا التمكين بمدّ القارئ بشيء من اللحظة الفيلمية بدلا من نص ببغائي يكرر مع كل فيلم أحكام قيمة مثل: فيلم مدهش محزن عميق مذهل مؤثر. فيلم من طراز رفيع عَليّ sublime .
- أكتب ملاحظات فورية في الظلام لأن المشاهدة وفعل التلقي حدسي. يولد إحساسا، حزنا وحبا وفرحا آنيا. بعد المشاهدة يتم تفريغ الملاحظات وتصنيفها تبعا لمفاهيم مثل الأداء والإخراج والسرد… وتخلق هذه المفاهيم مسافة لأنها تنظم المعرفة، تخلق وتنظم المسافة بين الذات والموضوع.
- لا تكفي مشاهدة واحدة للكتابة عن أي فيلم، من الأفضل إعادة المشاهدة مرتين لكن هذا لا يتوفر أحيانا. وحين يتوفر يتم تسجيل الملاحظات في المشاهدة الأولى فقط، بينما تخصص المشاهدة الثانية للمتعة والتأمل، وكانت نتيجة هذه المنهجية المزدوجة هي مقالي عن “حدث ذات يوم في هوليود” تارانتينو وعن “الجوكر” تود فيليبس. مثلا في المشاهدة الثانية للجوكر تمت ملاحظة استخدام ألوان المدرسة الوحشية في أقنعة البهلوان: أحمر وأزرق وأصفر فاقع (لوحة هنري ماتيس المرأة ذات القبعة 1905 Femme au chapeau). الخلفية المعرفية ضرورية لملاحظة الظواهر الفنية وتفسيرها.
- أن تنتقد فيلما يعني أن تحرر رأيا تقييميا مُعللا. وقبل القيام بالنقد لابد من معرفة وإعلان معايير التقويم.
شخصيا أكتب النقد السينمائي من اجل فهم كيفية صناعة السرد الفيلمي أكثر مما أكتب لإصدار حكم تقييمي. تجري محاولة الفهم بتفكيك السرد الفيلمي للوقوف على نقط قوته ونقط ضعفه وليس لإعلان موقف إعجاب أو نفور.
للكتابة بهذه الطريقة لابد من منهج، و“المنهج شيء نكتسبه بالممارسة” حسب برتراند راسل، وهذا يتطلب ساعات عمل كثيرة يوميا. ساعات مشاهدة ومطالعة وكتابة ومراجعة… حين يغيب المنهج في النقد السينمائي، تهيمن “كتابة ببغائية أي لا تمد العقل بشيء من الحاضر” السينمائي.