summer film magazine

 

 السينما السورية تُؤفلم روايات الأديب السوري حنا مينة     

    بنية أعماله الروائية تكاد أن تكون كتبت للسينما

دمشق: علي العقباني

كما يفعل عادة الكثير من الروائيين الكبار عربياً وعالمياً، إذ يعلنون استيائهم من الأعمال السينمائية التي تعتمد على أعمالهم الأدبية، رواية أو قصة، كان الروائي السوري الكبير حنا مينة”1924-2018″ والذي رحل عن عمر ناهز 94 عاما، بعدما ترك رصيدا ضخما من الروايات والأعمال الأدبية الأخرى، حنا  مينة غير راض عن معظم الأفلام التي استندت إلى رواياته، ربما لم يرَّ أبطاله اللذين تخيلهم ولا حبيباتهم ولا أجواء البحر والصراع والخيانة، وربما لم يرَّ نفسه أيضاً، أو ربما لم يتعامل مع السينما كمكون ابداعي خاص ومستقل في بنيته الفنية والسردية والبصرية وتداخلاتها، ربما هذا وغيره أيضاً، وكل ذلك لم يمنع السينما السورية من أن يكون أدب حنا مينة هو المعين الأكبر للأعمال السينمائية التي كان الأدب هو مادتها الأولى.

قدمت له السينما السورية فيلم «بقايا صور» من إخراج نبيل المالح و«آه يا بحر» و«الشمس في يوم غائم» المأخوذ عن رواية «الدقل» من إخراج الراحل محمد شاهين و«اليازرلي» المأخوذ عن قصة «على الأكياس» من إخراج قيس الزبيدي، و فيلم«الشراع والعاصفة» للمخرج غسان شميط من خلال مجموعة من الأحداث التاريخية التي تختلط مع الأحداث المحبطة بالواقع لتعكس أبرز التناقضات التي كانت تسود مجتمعنا غير المتجانس من خلال يوميات رجال البحر في صراعهم المفاجئ مع العاصفة، حصل العديد منها على جوائز هامة.

  هذا في السينما، أما في التلفزيون فقد كان للكاتب مينا حصة من الاقتباس والانتشار في بداية عقد التسعينيات من خلال  العمل الدرامي «نهاية رجل شجاع» المأخوذ عن رواية «نهاية رجل شجاع» والتي اعد لها السيناريو الكاتب حسن م يوسف، واخراج نجدة أنزور، وكذلك «بقايا جروح» عن رواية «بقايا صور».

قدمت الرواية التي كتبها حنا مينا مستويات ثقافية لشخصيات رواياته متعاملة مع الشخصية الشعبية، والمناضل السياسي، وعامل السفن في البحر والصياد والموظف…. ونماذج إنسانية سورية.‏ ‏
جذبت أعماله الروائية والقصصية  منذ بدايات السينما السورية المخرجين السوريين والعرب على حد سواء، وخصوصاً أولئك المولعون بالصورة الجميلة وبنية سردية مشهدية متميزة،على حساب العنصر القصصي والدرامي، وهذه سمة مميّزة لعلاقة الشاشة بأدب حنّا مينة، فلقد كتب في أعماله الأخيرة أعمالاً قصصية أقرب إلى السيناريو منها إلى الرواية، فأقبل السينمائيّون ومن يتعاطى التلفزيون على تلك الأعمال ليصبح أكثر روائي سوري قدمت أعماله في السينما والتلفزيون
البداية السينمائية، كانت في فيلم “اليازرلي” (1974م)، عن قصة طويلة بعنوان «على الأكياس»، للمخرج العراقي قيس الزبيدي، ومدته (95 دقيقة). والتي يرى العديد من النقاد إن هذا الفيلم ينطوي في بنائه الدرامي، على عناصر شعرية وملحمية تعتمد في بنيتها السردية والفنية على وسائل بصرية مونتاجية.
في العام 1974 يحقّق المخرج نبيل المالح فيلم «بقايا صور» عن رواية حملت الإسم نفسه، ومدته (130 دقيقة).. وفيه عودة إلى عشرينيات القرن العشرين، حيث قصة الأب السكير الشهواني الرحالة، والأم الضعيفة الطهرانية، وحكايات الأخوات والمدرسة والخال والصراع في ريف الإسكندرون واللاذقية بين الملاكين والفلاحين، وتنهض بخاصة شخصية العاهرة زنوبة الأرملة وعشيقة الأب.
كما قدم المخرج الراحل محمد شاهين فيلم «الشمس في يوم غائم» (1985م)، عن رواية تحمل أيضاً الإسم نفسه، ومدته (110 دقائق). فيه سيكون السحر في الرقص،  رقصة الخنجرـ وسيكون الحب والجنس وصبوة الحياة عبارة هذا شكل خاص من السحر،  وكما عادة مينة في مزج التاريخي بالشخصي والاتكاء على مرحلة ما للتعبير عن أفكاره ورؤاه في الحياة والأدب.

بعد هذا الفيلم  يحقّق شاهين أيضاً فيلماً ثانياً هو «آه يا بحر» (1994م)، المأخوذ عن رواية «الدقل»، ومدته (120 دقيقة) تمثيل: منى واصف، خالد تاجا، رنا جمول، جلال شموط، مازن الناطور، تدور أحداثه في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات من هذا القرن، في ظل الإحتلال الفرنسي، وتبدأ الأحداث مع وصول أسرة البحار صالح حزوم من لواء إسكندرون إلى اللاذقية ومحاولة البحث عنه، حيث يحاول إبنه سعيد، إقتفاء أثره بعد أن انطلقت أكثر من إشاعة عن سبب اختفائه، ويقرر أن يصبح بحارا مثل أبيه ويتعرف على الريس عبدوش ويعمل معه في البحر، لكن عاصفة تواجه السفينة المبحرة، فيكون السؤال المؤرق هل يغرق سعيد حزوم أم ينجو؟.
وتنتقل رواية حنا مينه «الشراع والعاصفة» إلى الشاشة الكبيرة على يد المخرج غسان شميط الذي حاول السير مع الفكرة الأساسية للرواية و لم يتشعب في أكثر من اتجاه، حاول السير بمحاذاة الشخصية الأساسية وهي البطل الشعبي الطروسي الذي بني عليه العمل،  وكانت ذروة إنهاء الفيلم مع نهاية العاصفة، لكونها ذروة النجاح بالنسبة إلى الشخصية المحورية.

ولد حنا مينه عام 1924 في مدينة اللاذقية، وعاش طفولته في إحدى قرى لواء الإسكندرون، قبل أن يعود إلى اللاذقية مجددا، حيث عاش وكافح كثيرا حتى شق طريقه إلى الأعمال الروائية، وتنقل بين بلدان عدة، وسافر إلى أوروبا ثم إلى الصين لسنوات، لكنه عاد إلى بلاده.

برحيل الأديب القدير حنا مينة عام 2018 فقدت سورية والسينما السورية منهلا ثقافيا روائياً قل نظيره في الوطن العربي، ولربما عزاؤنا في فقدانه هو الإرث الثقافي النوعي والمتميز الذي تركه لنا وللأجيال القادمة.

بدأ مينة الذي يُلقب بشيخ الرواية السورية  حياته الأدبية بكتابة مسرحية دونكوشوتية لكنها ضاعت وكتب بعدها روايات عديدة أهمها وأشهرها: المصابيح الزرق- الشراع والعاطفة- الثلج يأتي من النافذة- الياطر- الشمس في يوم غائم- الأبانوسا البيضاء- بقايا صور- المستنقع- القطاف- الربيع والخريف- حمامة زرقاء في السحب- الولاعة- حكاية بحار- نهاية رجل شجاع- فوق الجبل وتحت- حدث في بيت ياخو- النجوم تحاكي القمر- القمر في المحاق- عروس الموجة السوداء- الرجل الذي يكره نفسه- الفم الكرزي- حين مات النهر- صراع امرأتين- شرف قاطع الطريق.‏ وقد تولت دار الآداب اللبنانية نشرها منذ البدايات.